حجم الودائع السورية في مصارف لبنان: زوبعة في فنجان!

كتبت سلوى بعلبكي في “النهار”:
ليست المرة الاولى يثار فيها موضوع حجم الودائع السورية في لبنان، ولكن الرقم الذي أورده الرئيس السوري بشار الاسد (42 مليار دولار في حدّها الاقصى) أثار زوبعة من الانتقادات والاستهجان، خصوصا أنه ربط أزمة “حجز الودائع ” بتفاقم الازمة الاقتصادية في سوريا، التي قدَّرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) خسائرها بحلول نهاية السنة الثامنة من النزاع في سوريا، بما يفوق الـ442 مليار دولار.
وبغضّ النظر عن الخسائر التي تكبدها الاقتصاد اللبناني من جراء تهريب المحروقات والدولارات من لبنان ومساهمتها في صمود السوريين في مقابل تراجع قدرة اللبنانيين، لا شك في أن الرقم الذي أورده الرئيس الاسد “خياليّ “، خصوصا اذا ما أخذنا في الاعتبار أن لبنان يعتمد الشفافية المطلقة في التصريح عن إدخال أموال وودائع سورية الى مصارفه، على خلفية العقوبات الاقتصادية الأميركية المفروضة على سوريا منذ الثمانينات من القرن الماضي، وتالياً فإن الحديث عن حجم الودائع السورية أمر مبالغ فيه نظراً الى المعايير التي وضعها مصرف لبنان، والتشدد في حجم المبالغ الموضوعة في المصارف عبر التدقيق في حجم الأموال.
وليس خافياً انه مع استفحال الأزمة السورية، عمد عدد من كبار المستثمرين وأصحاب رؤوس الاموال السوريين إلى نقل أموالهم إلى الدول المجاورة ومنها لبنان وإنْ كان بنسبة أقل. إلا أن هذه العمليات اصطدمت في ما بعد بتشدد المصارف اللبنانية التي بدأت تطبّق نظام مراقبة العمليات المالية والمصرفية لمكافحة عمليات تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، بسبب تخوّفها من المساءلة الاميركية والاوروبية حيال دورها في تسهيل الطريق أمام سوريا للتفلت من العقوبات الدولية، وتُرجم ذلك برفض القطاع المصرفي فتح حسابات مصرفية جديدة للسوريين عموما ما دفعهم الى نقل أموالهم إلى دول أخرى مجاورة. ومن الاسباب التي ساهمت في تراجع حجم ودائع السوريين، رفع لبنان مستوى التشدد والرقابة بعد بدء تطبيق قانون الامتثال الضريبي الأميركي ( “فاتكا “) لاستيفاء الضرائب من الأميركيين أو الذين يحملون الإقامة في الولايات المتحدة ويقيمون في الخارج.
ويؤكد الامين العام لجمعية مصارف لبنان الدكتور مكرم صادر في هذا الاطار لـ “النهار ” ان القطاع المصرفي يتشدد في المراقبة في ظل العقوبات المفروضة على سوريا ويراقب عمليات الايداعات السورية، علماً ان ثمة رجال أعمال يقيمون في لبنان وليست لهم علاقة بالنظام، ولديهم رخص لاستيراد مواد الى سوريا لا تشملها العقوبات ويفتحون اعتمادات في شكل عادي.
ويشكك صادر بالأرقام المتداولة عن حجم الودائع السورية، وكل ما يشاع برأيه هو لـ “ذرّ الرماد في العيون “، مستنداً الى حجم ودائع غير المقيمين (تحديد غير المقيم يرتبط بالشخص الذي ليس لديه عنوان في لبنان) والتي تقدَّر بنحو 27 مليار دولار، منها 5 مليارات خرجت من لبنان منذ آخر الـ 2019 حتى اليوم. وإذ أكد أنه لم يحصل في تاريخ القطاع المصرفي اللبناني ان وصل حجم الودائع السورية الى 40 مليار دولار، استبعد ان يكون حجمها حاليا أكثر من مليارين أو 3 مليارات دولار، مع الاشارة الى أن ودائع المقربين من النظام السوري، والتي من المفترض أن تكون كبيرة، صبّت في غالبيتها بعد العام 2011، في المصارف الروسية والبلغارية وقسم منها ذهب الى دبي وأبو ظبي.
بعد الاصلاحات التي أجريت في سوريا، أصدرت الحكومة السورية في العام 2001 التشريعات المناسبة لإنشاء مصارف خاصة، لا سيما القانون الرقم 28/2001 بعدما كان الأمر يقتصر على المصارف الحكومية، فتم إنشاء 14 مصرفاً خاصاً بينها 7 مصارف بمساهمات من مصارف لبنانية. وبلغت الودائع لدى هذه المصارف 1.250 مليار دولار في العام 2019 بارتفاع نسبته 2.77% عن العام 2018، بما يفسر أن قسماً من الودائع السورية في لبنان عاد الى سوريا، وإنْ كانت هذه النسبة متواضعة وفق ما يقول رئيس قسم البحوث والتحاليل الاقتصادية في مجموعة “بنك بيبلوس ” نسيب غبريل لـ “النهار “.
واذا كانت الودائع السورية في المصارف اللبنانية ليست حديثة “بل هي موجودة منذ عشرات السنين نظراً الى عوامل جذب عدة، منها ان القطاع المصرفي اللبناني هو قطاع خاص والاقتصاد اللبناني منفتح ومبني على اقتصاد السوق “، إلا أن غبريل يرى أن “من الصعب تقدير حجم ودائع السوريين في القطاع المصرفي اللبناني على اعتبار ان الودائع ليست مقسمة بحسب الجنسية او بحسب المصدر، بل مقسمة الى ودائع مقيمين وودائع غير مقيمين “.
من الواضح أن الرئيس الاسد استند في ارقامه الى بعض الدراسات والاحصاءات السورية واللبنانية، ولعل آخرها دراسة المرصد العمالي للدراسات والبحوث حول آثار الأزمة اللبنانية على الاقتصاد السوري، والتي قدَّرت إيداعات السوريين في المصارف اللبنانية بنحو 45 مليار دولار حاليا. وبحسب الدراسة، بدأت الآثار النقدية والمالية للأزمة اللبنانية أخيراً بالظهور في شكل سريع لم يسبق له مثيل، على الاقتصاد السوري، كما أن المصرف المركزي اللبناني اتخذ عدداً من الإجراءات النقدية التي من شأنها خفض حجم المضاربة وتهدئة السوق اللبنانية. لكن هذه الإجراءات انعكست في شكل مباشر على الاقتصاد السوري. ومن أبرز تلك الإجراءات دفع الحوالات الواردة من الخارج للسوريين إلى لبنان بالليرة اللبنانية بدل دفعها بالدولار، وهذا ما حرم الاقتصاد السوري نحو 4 ملايين دولار يومياً تأتي من لبنان إلى سوريا لتمويل الأسر السورية وإعالتها.
الى ذلك، ثمة احصاءات نشرتها “الدوليّة للمعلومات “، قدَّرت فيها حجم ودائع السوريين في المصارف اللبنانية بنحو 37 – 40 مليار دولار، وهو أمر عاد وأكده الباحث فيها محمد شمس الدين لـ “النهار “. هؤلاء السوريون كانوا يفيدون من الفوائد على هذه الودائع وينفقونها سواء في لبنان أو ينقلونها إلى سوريا ضمن حرية تحويل الأموال المعمول بها في لبنان. ولكن هذا الأمر توقف مع القيود المصرفية على السحوبات المفروضة منذ 17 تشرين الأول 2019، والتي زادت حدّتها في الأشهر الماضية. إلا أنها أشارت في الوقت عينه الى أنه لا تتوافر أرقام دقيقة عن حجم ودائع السوريين في المصارف اللبنانية، إذ إن بعضهم يحمل الجنسيتين اللبنانية والسورية معاً بعد مرسوم التجنيس في العام 1994. وفي نهاية العام 2019 بلغت ودائع القطاع الخاص غير المقيم لدى المصارف التجارية 32.5 مليار دولار مقابل 37.7 مليار دولار في نهاية العام 2018، ومعظم هذه الودائع هي لمواطنين سوريين مع أقلية من دول الخليج.
ووفق احصاءات حديثة، بلغت الودائع في القطاع المصرفي اللبناني 142 ملياراً و200 مليون دولار في آخر أيلول 2020، منها 27 ملياراً و400 مليون دولار ودائع لغير المقيمين بما يوازي 19% من مجموع الودائع. ويؤكد غبريل أن “ودائع غير المقيمين هي في معظمها ودائع للبنانيين مغتربين في الدول العربية والأفريقية والاميركية، وايضا ودائع لمواطنين من دول عربية وخليجية، اضافة الى ان الكثير من السوريين لديهم الجنسية اللبنانية، وتاليا لا يمكن حصر ودائع غير المقيمين بودائع السوريين… وثمة عامل مهم آخر هو ان الودائع في لبنان خاضعة للسرية المصرفية، وتاليا من الصعوبة تحديد حجم الودائع السورية “.
يؤكد البعض ان حجم الودائع السورية ارتفع بعد العام 2011، بدليل ارتفاع احتياط مصرف لبنان في تلك الفترة من 29 مليار دولار إلى 37 ملياراً، وهي الفترة التي شهدت انخفاضاً في واردات السياحة وتراجع تحويلات اللبنانيين، إلا أن غبريل يدحض هذه “المزاعم ” بدليل العجوزات التي بدأ يسجلها ميزان المدفوعات منذ 2011 ولغاية اليوم، وذلك بعد الفوائض التي سجلها حتى 2010. ويشير الى عامل مهم آخر، هو انه “بدءاً من العام 2012 حين تفاقمت الازمة السورية حاول بعض رجال الاعمال والصناعيين نقل اعمالهم الى لبنان لكنهم واجهوا كلفة تشغيلية مرتفعة ومعوقات بيروقراطية حيال تسهيل إجراء المعاملات، وعندما وجدوا ان بيئة الاعمال والاستثمار غير مؤاتية، نقلوا اعمالهم الى دول اخرى مثل مصر ودبي والاردن، وتاليا فإن الودائع او الاموال التي كان يمكن أن يستخدموها في لبنان استثمرت في دول أخرى عربية وغير عربية “.
صحيح أنه يمكن أن يكون للازمة الاقتصادية والمالية والنقدية في لبنان تداعيات على الاقتصاد السوري، ولكن أزمة الاقتصاد السوري ناتجة في شكل اساسي، وفق ما يقول غبريل، “من الحرب التي اندلعت في الـعام 2011، والتي قدرت الامم المتحدة خسائرها بنحو 420 مليار دولار بين 2011 و2018، منها 325 مليار دولار خسائر من جراء تراجع الحركة الاقتصادية “. وإذ لا ينكر أن تعافي الاقتصاد السوري وخروجه من الازمة يصب في مصلحة الاقتصاد اللبناني والعكس صحيح، لفت الى ان “عشرات الآلاف من العمال السوريين في لبنان يرسلون الاموال بالعملات الأجنبية الى بلادهم بما يساهم في انعاش الاقتصاد السوري وتراجع مستوى “الاجنبي ” في لبنان “.



