لبنان دفع فاتورته لصندوق النقد ولم ينل شيئاً في المقابل!(النهار 27 أيلول)

كتبت سلوى بعلبكي في “النهار”:
منذ أعوام وتعويل الدولة اللبنانية على دور مساعد لإنقاذ الاقتصاد من الذهاب إلى الانهيار كان يحضر في معظم أدبيات ومشاريع المسؤولين المعنيين بالملفات المالية والاقتصادية. لكن عقبات محلية وموروثات سياسية واقتصادية كانت تحول دائما دون دخول هذا المنقذ، أو بالأحرى، #صندوق النقد الدولي كشريك مساعد إلى حلبة الانقاذ بسبب المعايير والشروط التي يضعها ويشدد على تنفيذها توازياً مع اقرار القوانين اللازمة لذلك قبل شروعه في مدّ لبنان أو أي دولة تعاني من تعثّر اقتصادي ومالي، بأي مساعدات مالية وتقنية
ولكن مع بداية الانهيار، لم تتأخر الحكومة السابقة برئاسة حسان دياب بالاتصال بصندوق النقد وأجرت معه جولة من المحادثات، لم تؤدِّ إلى خلق قناعة لدى مسؤولي الصندوق بجدية الدولة اللبنانية ومسؤوليها بالعمل على بناء قاعدة صلبة وعلمية للانطلاق في مسيرة اصلاح الهيكلية الاقتصادية والمصرفية والمالية في لبنان، لرفدها بما يمكن للصندوق وفق قوانينه من مساعدة مالية، إذ لم تتطابق في هذه المحادثات أرقام الدولة اللبنانية من جهة مع ارقام مصرف لبنان من جهة أخرى، كما اختلفت ارقامهما مع بعض ارقام الدراسات التي أجراها صندوق النقد. وهذا ما شكَّل نقطة التباس أدت إلى تعثر المفاوضات وتجميد برنامج المساعدات، إلى ان توقف التواصل نهائيا بعد استقالة الحكومة غداة انفجار المرفأ وذهاب الدولة برمّتها إلى حالة تصريف الأعمال
وبعد أكثر من سنة من المراوحة، تشكلت حكومة جديدة… وبالتوازي، مع حال التفاؤل بالدعم الدولي لها، باشرت فورا وقبل نيل الثقة التواصل مع صندوق النقد الذي ابدى استعداده للانخراط في محادثات معها في المرحلة المقبلة، فيما أعلن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي من جهته المباشرة بالمفاوضات، فالأمر وفق ما قال: “ليس نزهة. ونحن مضطرون للقيام بهذه الخطوة”
والسير بالمفاوضات مع الصندوق أصبح أقل تعقيدا بعدما زالت تقريبا العقبات الاساسية التي كانت تعوق الشروع في الاستجابة لشروط صندوق النقد، وخصوصا حيال تحرير سعر الصرف ورفع الدعم واقرار قوانين اصلاحية اهمها قانون “الكابيتال كونترول” وقانون الشراء العام ووقف التوظيف والذهاب أكثر إلى اعتماد الخصخصة في اعادة بناء قطاعات الكهرباء والمياه والنقل
وعلى رغم التأكيدات بأن تفاصيل خطة التعافي التي تتضمن كل الاجراءات الاصلاحية باتت شبه جاهزة، تخشى مصادر متابعة من معوقات عدة قد تواجه معاودة المفاوضات مع الصندوق، خصوصا أن البرنامج التمويلي المفترض أن يقره الصندوق سيقترن بإصلاحات على لبنان الالتزام بها وتطبيقها في فترة زمنية قصيرة جدا لا تتعدى 8 أشهر. وتاليا فإن ثمة علامات استفهام عما إذا كانت السلطات اللبنانية قادرة على إعادة هيكلة القطاع العام، خصوصا أننا على أبواب انتخابات نيابية، اضافة إلى التوصل إلى نتائج في التدقيق الجنائي وغيرها من الشروط التي على لبنان الالتزام بها
بيد أن مصدرا حكوميا سابقا أعرب عن تفاؤله بإمكان التوصل إلى نتيجة مُرضية، مستندا بذلك إلى وقائع عدة لعل أبرزها أن “حزب الله أعطى ثقته للحكومة ولبيانها الوزاري الذي يتضمن بدء المفاوضات مع صندوق النقد. كما انه وبعدما كانت المفاوضات قد توقفت على خلفية عدم الاتفاق على خسائر مصرف لبنان والقطاع المصرفي، أصبح الوعي والقناعة حاليا راسخَين بأن لا حلول إلا عبر صندوق النقد، وأن الاخير لن يقبل بأرقام غير منطقية وغير مقنعة له، فالمسؤولون فيه لديهم الخبرات الكافية لمعرفة ما إذا كانت الارقام التي يزوّدهم بها الفريق اللبناني صحيحة أم لا”
إلا ان المصدر نفسه أكد في المقابل، أن “ثمة أمورا تتطلب من الحكومة انجازها قبل الذهاب إلى المفاوضات مع صندوق النقد، أهمها الاتفاق على الخطة الاقتصادية او على الاقل تحديثها، إضافة إلى تزويده بالـ “داتا” التي كان قد طلبها من وزارة المال وتتعلق بالمصاريف وعدد الموظفين وغيرها من الأرقام التي لم تكن الوزارة ولا حتى مصرف لبنان قد أفصحا عنها للصندوق، إضافة إلى مصير شركة لازار، وما إذا كانت ستبقى استشاريا ام لا”، كاشفا أن “كل هذه الامور ستتبلور هذا الاسبوع”
اما عن الاجراءات التي يفرضها الصندوق وأثرها على المواطنين، فيذكّر المصدر بتجربة مصر الناجحة مع الصندوق الذي كان من أبرز شروطه رفع الدعم وتحرير سعر الصرف. و”هذان الشرطان أصبحا تحصيل حاصل في لبنان، من دون ان نحصل في المقابل على اي شيء، فيما الضريبة الاكبر التي يدفعها الفقراء في لبنان هي مسألة التضخم… ما حصل في لبنان هو اننا دفعنا الفاتورة ولم نحصل على شيء في المقابل”. وإذ رأى أنه “لو نفّذنا الاجراءات الاصلاحية التي طلبها الصندوق لما كانت الليرة خسرت أكثر من 85% من قيمتها”، قال: “لا شك في أن الاجراءات ستكون قاسية بعض الشيء على اللبنانيين… ولكن لا حل خارج الصندوق”. وختم: “كنا نتمنى لو أن الحكومة كانت حكومة اختصاصيين ومستقلين ليكون التنفيذ أسهل، ولكن من دون شك أن الرئيس ميقاتي جدي بموضوع الصندوق والاصلاحات.. وتاليا ثمة أمل بالإنقاذ”
الشروط المجحفة للصندوق تخطاها الزمن
لو عدنا إلى الوراء سنة وأكثر، وعند الحديث عن صندوق النقد الدولي، كانت فرائص المسؤولين ترتعد وأسنانهم تصطك ويتصببون عرقاً ويحجمون عن التصريح بضرورة تنفيذ شروط صندوق النقد الدولي المجحفة بحق الشعب اللبناني. بل كان هناك شبه إجماع على أن الشروط المطلوبة من قِبله ستضرّ بالفئات الفقيرة والمعدمة
فعند وقوع الدول في الأزمات تلجأ إلى صندوق النقد الدولي كملاذ وخشبة خلاص، وكأنه قدر لا مفر منه. ولكن الثابت تاريخياً أن الدول التي لجأت إلى الصندوق عند أزماتها، وقعت في براثنه ولم تستطع التخلص من سطوته وتعمقت في داخلها الفجوات الاجتماعية، وفق ما يقول الأكاديمي والباحث الاقتصادي الدكتور ايمن عمر لـ”النهار”. لكن ومع ازدياد حدة الانهيار والحالة المعيشية المأسوية وتخطي نسبة الفقر 74% ومعدل البطالة 65%، أصبح اللجوء إلى الصندوق مطلبا شعبيا ووطنيا حيث “يجد الشعب المقهور المذلول في شروط الصندوق ذلا أخف، والأنكى من ذلك انهم يعلّقون الآمال عليه في انتشالهم من مأساتهم”
ويعتبر عمر “ان غالبية شروط صندوق النقد صارت واقعا ملموسا بفعل الانهيار وتداعياته، فرفع الدعم يسير بخطوات متدحرجة نحو الرفع الكلي الشامل، والبعض يفضل رفع الدعم على اعتبار أن جميع حاجاته ستتوافر بدل انقطاعها. الآلاف من الموظفين في القطاع العام تركوا وظائفهم وهاجروا لتصبح إعادة هيكلة الإدارات العامة أمرا سهلاً. أما تحرير سعر الصرف فهو متحقق بالممارسة والفعل من دون قرار رسمي، وهو متلازم مع رفع الدعم ليصبح رسميا. وتبقى رفع نسبة الضريبة على القيمة المضافة TVA تحصيل حاصل لا تقدم أو تؤخر في هذا الإطار، فالفزع من التضخم صار من الماضي”
وأمام هذا الواقع، يرى عمر أن “الشروط المجحفة للصندوق قد تخطاها الزمن، ونحن الآن أمام إشكالية أكبر بكثير وهي الفاتورة السياسية المطلوبة. لن يرتدع من يقف وراء صندوق النقد والذي تسبّب بهذا الانهيار والاغتيال الاقتصادي للبنان عبر العقوبات الاقتصادية عن تحقيق مكاسبه السياسية، وهو يجد الآن الفرصة مؤاتية لذلك، وهي فاتورة كبيرة: ترسيم الحدود البحرية والتنقيب عن النفط والغاز، إعمار مرفأ بيروت، سلاح حزب الله ودوره في لبنان والمنطقة، التطبيع، اللاجئون الفلسطينيون والسوريون… قضايا كبيرة مرتبطة بهوية لبنان المستقبلي وموقعه في المنطقة تُرتسم عبر هذه الفاتورة، وهي قضايا متلازمة المسار مع محادثات فيينا حول الاتفاق النووي الإيراني في ما يرتبط بالشق اللبناني، لذلك لا يمكن الفصل بين هذه المفاوضات والاتفاق مع صندوق النقد الدولي”
ووفق عمر فإن “الحكومة الحديثة الولادة هي حكومة مهمتين أساسيتين والباقي تفاصيل صغيرة: الأولى تهيئة الأرضية المناسبة للتفاوض مع صندوق النقد، والثانية إجراء الانتخابات النيابية في الربيع المقبل. وسيتنازع داخل الحكومة تياران متناقضان: تيار الصندوق المتمثل بوزراء المال والاقتصاد والخارجية، وتيار التنويع في الخيارات والتوجه شرقا والذي يعتبر استقدام بواخر النفط الإيرانية هي قص شريط افتتاح لهذا الخيار. من هنا تستبطن الحكومة في داخلها ألغاما مفصلية متفجرة ستتكشف عند القضايا المفصلية ومنها مترتبات الاتفاق مع صندوق النقد، وخصوصا أن الحكومة وُلدت عند لحظة خارجية مناسبة، وستتأثر بأي خلاف خارجي بدأت ملامحه تظهر في الخلاف الفرنسي – الاميركي”



