آخر أيام فتح اعتمادات المحروقات على اساس السعر المدعوم… حلول ترقيعية( النهار 8 أيلول)

كتب موريس متى في ” النهار”:
كل الأنظار نحو نهاية أيلول الجاري الموعد الرسمي للإعلان عن رفع الدعم كليا عن المحروقات وبعض السلع التي ما زال مصرف لبنان يؤمّن الدولارات لتمويل استيرادها المدعوم، فيما يمكن لهذه الخطوة أن تُعلن قبل حلول نهاية الشهر مع نفاد الاموال اللازمة لتغطية عملية استيرادها.
أعطى مصرف لبنان موافقات مسبقة بناءً على القرار المتخذ من الدولة اللبنانية لفتح اعتمادات للمحروقات لغاية 200 مليون دولار، في حين تشير المعلومات الى ان “المركزي” لن يعطي مزيدا من الموافقات على اساس آلية تسعير 8000 ليرة للدولار. فالاموال التي رُصدت لتمويل الاستيراد على اساس هذه الآلية خلال الاجتماع “النفطي” الشهير في قصر بعبدا، لم تعد كافية لتمويل الاستيراد المدعوم، ما يعني حتما التحضير رسميا لرفع الدعم نهائيا عن المحروقات خلال الايام المقبلة وحتى قبل حلول نهاية الشهر، وقد تكون كرة النار الاصعب التي ستواجهها الحكومة الجديدة في حال أبصرت النور خلال الأيام المقبلة.
بالفعل، الدعم على المحروقات سيُرفع خلال أيام والاتجاه نحو خيارين: إما رفع الدعم بشكل كامل فيبقى الموضوع بيد مصرف لبنان لجهة الموافقة على استيراد المحروقات ولكن بسعر السوق، وإما تحرير الاستيراد فيصبح الموضوع بيد الشركات المستوردة ما يتطلب دراسة لتحديد الآلية المعتمدة وإصدار الأسعار. وعاد مصرف لبنان ليؤكد انه بالنسبة الى موضوع اختيار بواخر المحروقات التي سيتم إدخالها لتفريغ حمولتها او تستفيد من الاعتمادات، فذلك ليس من صلاحيته انما من صلاحية وزارة الطاقة التي تعطي التعليمات ضمن المبلغ المتاح ليبقى عمل مصرف لبنان مقتصرا على بيع الدولارات بالسعر المتفق عليه وهو 8000 ليرة للدولار بهدف دعم استيراد البنزين الى حين نفاد الامكانات والدولارات، على ألّا يمس بشكل مطلق بالتوظيفات الالزامية ليبقى مصير خطة رفع الدعم بيد الحكومة.
ولكن، ماذا بعد رفع الدعم؟ ومن أين سيؤمّن مصرف لبنان الدولارات حتى لو رفع الدعم ورغم اعتماد الدولار على سعر السوق، الا ان المصرف يحتاج الى دولارات لفتح اعتمادات، فمن أين يأتي بها؟ في هذا السياق تؤكد مصادر مصرف لبنان لـ”النهار” ان العديد من الخيارات يقوم بدراستها المجلس المركزي والحاكم رياض سلامة لجهة تأمين الحد الادنى من الدولارات لمرحلة ما بعد رفع الدعم، فيما يعول “المركزي” على سرعة تشكيل الحكومة الجديدة لتتحمل معه مسؤولية المرحلة المقبلة في إعادة بناء الثقة والعمل على استقطاب “الدولارات” من الخارج، والاهم التوصل سريعا الى اتفاق حول برنامج تمويلي شامل مع صندوق النقد الدولي يساهم في نهاية المطاف بتعزيز الاحتياطات الاجنبية لدى مصرف لبنان ببعض المليارات الاضافية.
والى حينه، تؤكد المصادر ان مصرف لبنان وضع بعض الخيارات التي يمكن السير بها لتأمين ما بين مليار ومليار ونصف مليار دولار تقريبا للإستمرار في تمويل استيراد الحاجات والسلع الاساسية بعد رفع الدعم. ومن بين الخيارات المطروحة للنقاش، ذاك الذي أُرجىء بته خلال الاسابيع الماضية، ويلحظ إصدار تعميم الى شركات تحويل الاموال من الخارج يلزمها تسديد نسبة من الحوالات بالدولار “الفريش” والنسبة المتبقية بالليرة اللبنانية على اساس سعر المنصة اي قرب 16 الف ليرة تقريبا. ويقوم مصرف لبنان بتحصيل الدولارات “الفريش” واستبدالها بالليرة لمصلحة أصحاب الحوالات الاجنبية من الخارج عبر شركات التحويل، مع تأكيد مصادر “المركزي” ان أي إجراء لن يطاول الاموال “الفريش” التي تصل الى المودعين عبر المصارف، وهذا الامر غير مطروح نهائيا، ليبقى هؤلاء يتمتعون بحرية استخدام هذه الاموال بالدولار النقدي بالطريقة التي يجدونها مناسبة.
ومن الخيارات التي يبحثها المجلس المركزي أيضا للإستمرار في تأمين كميات من الدولارات لمرحلة ما بعد رفع الدعم والاستمرار في تمويل استيراد الاساسيات، هو استخدام جزء من الاموال التي تصل الى حساب الاحتياط لدى مصرف لبنان مننتصف الشهر الحالي من صندوق النقد الدولي، وهي قيمة حقوق السحب الخاصة التي استفاد منها لبنان وقيمتها الاجمالية 860 مليون دولار، على ان يخصص جزء منها لتمويل جزء من البطاقة التمويلية وتغطية استيراد بعض الادوية للأمراض المزمنة والمستعصية ضمن آلية الدعم المعتمدة، فيما يصر البعض على استخدام جزء من هذه الاموال لتمويل سلفة جديدة لمؤسسة كهرباء لبنان بانتظار وصول النفط العراقي خلال ايام الى المعامل اللبنانية، وحتى إمكان وصول الغاز المصري بحلول النصف الاول من العام 2022.
أما الدولارات التي قد يحتفظ بها مصرف لبنان لمرحلة ما بعد رفع الدعم ومن أموال حقوق السحب فقد تراوح قيمتها ما بين 100 مليون الى 150 مليون دولار تقريبا. يضاف الى هذه الخيارات، تؤكد مصادر مصرف لبنان، انه مع تراجع حجم الودائع بالدولار الاميركي في المصارف اللبنانية يتراجع حكما حجم التوظيفات الالزامية على هذه الاموال، ما يعني ان مصرف لبنان قد يكون حرر جزءا من اموال الاحتياط الالزامي التي تحولت الى احتياط بالعملات الاجنبية سيستفيد منها “المركزي” خلال مرحلة ما بعد رفع الدعم، وقد تصل قيمتها الى ما بين 200 مليون الى 300 مليون دولار.
رفع دعم كليا يعني ضرورة تأمين الدولارات للتجار والمستوردين بأي طريقة لتمويل عملية الاستيراد، بعدما كان مصرف لبنان يؤمّن هذه الدولارات على اساس سعر الصرف الرسمي او المحدد من قِبله، ليتحول تأمين هذه الدولارات على اساس سعر السوق. من هنا، تشدد مصادر مصرف لبنان لـ”النهار” على أن “المركزي” ومجلسه يرفضان حكما ان يتحول طلب التجار والمستوردين الى السوق السوداء لتأمين الدولارت لتمويل الاستيراد، فهذه الآلية تزيد الضغوط على الليرة اللبنانية وتدعم دولار السوق الذي سيعود ويحلّق أكثر. من هنا، يبقى الخيار الانسب لمصرف لبنان تعزيز منصة “صيرفة” على ان يؤمّن الدولارات بائعا وشاريا للتجار والمستوردين على اساس سعر المنصة الذي يمكن ان يتعدل أكثر بحلول نهاية الشهر الحالي إستنادا الى سعر دولار السوق.
في كل الاحوال، ما يسعى إليه مصرف لبنان بحسب مصادره ومن خلال هذه الخطوات، هو عدم تحويل السوق السوداء مصدرا اساسيا للدولارات بعد رفع الدعم، فيما يعتبر ان بداية الحل تبقى رهن التطورات السياسية وتشكيل حكومة تتحمل مسؤولياتها، وما يقوم به ما هو الا شراء مزيد من الوقت لإعادة الامور الى نصابها الصحيح ووقف نزف الثقة.


