توقعات انخفاض سعر الصرف لم تتحقق… فهل ارتفاع سعر الدولار مبرّر؟ (النهار ١٦ تشرين الثاني)

لم تصمد طويلاً “التنبؤات” الاقتصادية والمالية بانخفاض سعر صرف الدولار بدءاً من أول يوم فراغ في سدة الرئاسة، فعاود الدولار مساره التصاعدي ليصل حالياً الى نحو 40 ألف ليرة، وهو السعر الذي كان قد سجّله في الاسابيع الاخيرة من عهد الرئيس ميشال عون.
هذا الارتفاع، وإن كان مبرراً وفق مصادر مصرف لبنان على خلفية إقبال التجار على شراء الدولار لزوم الاستيراد استباقاً لقرار رفع الدولار الجمركي، بيد أن الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف سمير حمود لم يستغربه، لا بل توقع معاودة ارتفاعه في ظل عدم توازن السوق. وقال لـ”النهار” إن سعر صرف الدولار لن يتوازن أو ينخفض ما لم يعد القطاع المصرفي الى عافيته وإعادة بنائه بالشكل الصحيح. وكما حمود كذلك هي توقعات قطاع الصيرفة التي أكدت لـ”النهار” أن الدولار لن يشهد انخفاضاً في الفترة المقبلة، ما دام الوضع السياسي على حاله من التأزم، وفي ظل فراغ رئاسي غير معلوم متى ينتهي، فيما التفلت الامني لا يزال مسيطراً، والسوق “السوداء” هي التي تتحكم ب#سعر الصرف.
وكانت قد سرت شائعات كالنار في الهشيم مفادها أن سعر صرف الدولار سيهبط إلى حدود 30 ألف ليرة بالتزامن مع مغادرة رئيس الجمهورية ميشال عون قصر بعبدا، وبالتزامن مع إعلان مصرف لبنان في 23 تشرين الأول الماضي، أنه سيتوقف عن شراء الدولار عبر المؤسسات المالية بما فيها الصرافون، ويستمر في بيعه عبر منصة “صيرفة” (بناءً على المادتين 75 و83 من قانون النقد والتسليف سيقوم مصرف لبنان من خلال منصة صيرفة ببيع الدولار الأميركي حصراً، علماً بأنه لن يكون شارياً للدولار عبر المنصّة من حينه إلى إشعار آخر). فهذا القرار فعل فعله بسرعة قياسية، إذ سجل الدولار هبوطاً عمودياً من 40,500 ليرة، إلى ما دون 36 ألف ليرة للدولار الواحد في أقل من ساعة واحدة على القرار، وهو ما عزز الاعتقاد بأن سعر صرف الدولار سينخفض أكثر. وهو ما سمح لمصرف لبنان، على الرغم من إعلانه عدم شراء الدولارات من السوق، بأن ينتهز فرصة انخفاضه وإن بكميات أقل مما كان يفعل قبل البيان، على نحو عزز الشكوك بأنه يخطط لجمع العملة الصعبة بغية تعزيز احتياطه.
ولكن مصدراً مطلعاً في مصرف لبنان برّر لـ”النهار” سبب ارتفاع سعر صرف الدولار، باستباق العديد من التجار قرار الحكومة بدء تطبيق الدولار الجمركي، فعمدوا الى شراء الدولار لزوم زيادة الاستيراد بشكل لافت. يضاف الى ذلك، ارتفاع أسعار النفط عالمياً، وزيادة الطلب على استيراد المازوت، بما زاد الطلب على الدولار لاستيراد المحروقات من الخارج.
والى حين هدوء عاصفة هذه التطورات، أبرز المصدر عوامل عدة قد تسهم في استقرار سعر الصرف، أو على الأقل انخفاضه في الفترة المقبلة، فأوضح أولاً أن مصرف لبنان لا يزال مستمراً بقراره عدم شراء دولار من السوق، وهذا ما سيكون واضحاً في أرقام مصرف لبنان. وفي هذا السياق، أشار الى أن النقد بالتداول انخفض نحو 4 آلاف مليار ليرة منذ بداية تشرين الثاني الحالي ليصبح نحو 71 ألف مليار بدلاً من 75 ألف مليار ليرة في نهاية تشرين الأول الماضي. وتوقع أن يستمر انخفاض النقد بالتداول تدريجاً، وهذا “أمر إيجابي”، وفق المصدر عينه، بالتزامن مع توقعات بدخول عملات أجنبية خلال الشهر المقبل، وهو شهر موسم الاعياد، بما سيسهم في ضبط ارتفاع سعر الصرف، ومع الامل أيضاً بانخفاضه وإن ببطء وبالتدريج”، مؤكداً أنه مع انخفاض النقد بالتداول (4 آلاف مليار خلال 12 يوماً)، يُفترض انخفاض سعر صرف الدولار.
توازياً، يستمر احتياطي مصرف لبنان بالارتفاع وإن بوتيرة أقل، فيما تسجل إيجابيات عدة ومنها تسجيل نمو اقتصادي في لبنان حسب الموسسات الدولية ورغم الازمة، وقد تصل نسبة النموّ إلى أكثر من 2%، فيما بدأت الخزينة باستيفاء ضرائب بالدولار الاميركي ولا سيما من المرفأ ورسوم المطار، مع استقرار أمني نسبي، وحجوزات مرتفعة بالفنادق، واستمرار التحاويل من المغتربين وارتفاعها ولو قليلاً.
ويقول المصدر إن أحى أسباب الايجابيات أيضاً هو أنه كان ثمة توقعات حيال الآفاق المستقبلية في لبنان، وتتعلق بانكماش إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.5% في عام 2022، في ظل عدم اليقين الشديد، وافتراض استمرار عدم كفاية استجابات السياسات الكلية، وحد أدنى من الاستقرار على الساحتين السياسية والأمنية. ولكن مع قرب انتهاء عام 2022 تغيرت التوقعات من نموّ سلبي 6%، الى نموّ إيجابي في الناتج المحلي “الحقيقي” نحو 2%. وهذا الانقلاب الايجابي فاجأ الجميع، إذ إن الاكثر إيجابية كانوا قد توقعوا صفر نمو”.



