أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

ما بعد الانتخابات مخاض اللعبة الدولية.. «الاستبداد اللبناني» علة خطيرة تتجاوز الفساد وآفاته! (اللواء 23 أيار)

أصبت بذهول، عندما كنت أتابع من باب الانشغال اليومي بمجريات الأمور السياسية  والاقتصادية وغيرها، ما بعد الانتخابات النيابية التي جرت، من مواقف، سواء في ما خصَّ، هؤلاء الذين حالفهم الحظ الانتخابي أو التحالفي بالفوز، في مقاعد الطوائف التي يزعمون أنهم يمثلونها، في محافظات وأقضية لبنان ودوائره الـ15، أو الذين ذهبت بهم ترتيبات الدول إلى غير رجعة في السنوات الأربع المقبلة، أو سوء إدارة الملفات التحالفية والتكتيكية والشعارات، لا سيما أولئك المحسوبين على ما يسمى بخط الوصاية السورية السابقة، التي نجا منهم الأقلون، بعد إعادة تموضع، اقتضتها المصالح الفردية، للذين تموضعوا ضمن هذا المسار الطائفي أو ذاك، أصبت بذهول عندما وقع سمعي على تصريحات النائب المعاد انتخبه عن قضاء البترون جبران باسيل، وهو يشغل حالياً رئيس التيار الوطني الحر، في مهرجان احتفالي بالنصر على خصومه المسيحيين، وربما بعض الخصوم من المسلمين، وهو ينتخي على نبيه برّي (على مشارف ولايته السابعة)، والذي رشحته كتلته النيابية، التي أعيد انتخاب معظم نوابها الحركيين (نسبة إلى حركة  «امل»، التي مايزال الرئيس – الشيخ يرأسها مبدياً كل عزم ونشاط) إلى رئاسة المجلس النيابي، داعية النواب إلى التجاوب مع هذا الترشيح.
لم يتجاوب باسيل مع دعوة حليفته الانتخابية «أمل»، ومضى إلى وضع دفتر شروط، تجاوز رئاسة المجلس إلى رئاسة مجلس الوزراء. من زاوية انه يرأس ومايزال أكبر كتلة نيابية في البرلمان، الذي دخله بعد وضع قانون جديد للانتخابات، فصّل على قياسه أيام عهد «التسوية الرئاسية المشؤومة، التي أتت بالتيار الوطني الحر (العونيون) إلى السلطة، وأخرجت سعد الحريري، ليس من رئاسة الحكومة وحسب، بل أيضاً من الندوة البرلمانية، والانتخابات الأخيرة، في أبشع عملية تصفية حسابات، تضافرت عوامل محلية وإقليمية وربما دولية، في دفع الرجل (أي الحريري) إلى أداء سياسي متميّز، للأيام والأشهر والسنوات المقبلة، ان تحكم عمّا إذا كان صواباً أو خاطئاً.
ساق باسيل سلسلة اتهامات جديدة- قديمة للرئيس برّي، كعرقلة الكابيتال كونترول، وتوفير الحماية السياسية لهذا الموظف الكبير أو ذاك، فضلاً عن عدم إدراج اقتراحات ومشاريع القوانين التي قدمها تياره على لائحة المشاريع غير المحبذة، والتي مصيرها الجارور..
والأخطر، ان النائب الطامح، رفض ما يسميه المقايضة ما بين رئاسة المجلس (المحسومة لبري) ونائب الرئيس الذي كان يشغله النائب السابق، الخاسر ايلي الفرزلي، والمخصص اصلاً لشخصية ارثوذكسية، وفقا للنظام البرلماني الديمقراطي في حصص الطوائف، مما استدعى رداً من النائب المعاد انتخابه، عن دائرة مرجعيون- حاصبيا، وهو المعاون السياسي لرئيس حركة «أمل»، علي حسن خليل، في مشهد أعاد إلى الأذهان الراسخة، صورة مدمرة من حروب أمراء الطوائف (بعدما صار باسيل أميراً) على مذبح مصالح اللبنانيين، وكأن لا شيء حدث في البلد، في ظل حكم المنظومة «الطاهرة» أو الفاسدة.
ربما، تساءل كثيرون، ما الذي تغيَّر، وهم يشاهدون، ويسمعون اللاعبين إياهم على مسرح الدمى اللبنانية، الثابتة وغير المتحركة.
كان موقف باسيل متوقعاً، من بين سلسلة من المواقف، التي تعلن تباعاً من خارج القيد «الثنائي» ان لا لرئاسة برّي للمجلس النيابي.
هنا، اقتضت الحاجة الفكرية إلى إيجاد وصف لما يحصل في البلد المأخوذ من أزمة إلى أزمة، ومن وضع خطير إلى وضع أخطر، بعد العودة إلى استخدام أسلوب الانهيار الاقتصادي كوسيلة لتدمير الطبقة السياسية، ولو أدى الأمر إلى تدمير البلد ككل فلا بأس.
ببساطة، ومن دون عناء، عثرت على حركة التوصيف، باستعارة الاستبداد، كما صاغه المفكر النهضوي عبد الرحمن الكواكبي في كتابه «طبائع الاستبداد».
فالاستبداد، لغة (والتعريف للكواكبي) هو «غرور المرء برأيه، والإنفة عن قبول النصيحة أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة».. فالاستبداد تعصب من ينتصر لرأيه ويرفض قبول الرأي الآخر، وينفر من أن يشاركه أحد التفكير؟ أو هو استئثار المرء بالحقوق العامة لنفسه…».
يتضح ان باسيل، وسواه، يتصرفون وكأنهم الآمرون الناهون، حتى النواب الفرادى، من غير الزمر، ينطبق عليهم مفهوم الاستبداد، لدرجة ان جميعهم ذهب من تأهل التمثيل الشعبي، لدى آخرين، وحصره بنفسه أو فريقه..
أبعد من الفساد، أو الإصلاح، أو الانبطاح، يطل الاستبداد اللبناني برأسه، في «الوقت الضائع» نسبياً، ليلعب على وتر المكاسب، بعد الحصاد الانتخابي.. ولو كان الحصاد المالي والنقدي، والخدماتي في أقصى نقاط الحضيض، في الخبز والكهرباء، والماء والطبابة والأدوية والتعليم، وشراء أبسط الضروريات، التي بات من الصعوبة بمكان الحصول عليها.
هكذا يرسم الاستبداد، الذي من الصعب استبعاد طرف منه، يرأسه وسط أزمة مشرعة على المستقبل الغامض، بصرف النظر عن الأيام الفاصلة عن انتخاب برّي رئيساً لولاية جديدة، مع ما يستتبع ذلك من «تنتيع» هنا أو عنعنة هناك، في اختبار جديد للاعبين القدامى والجدد على ساحة التوازنات والتحالفات، في المجلس النيابي وخارجه.
دفع اللاعبون الدوليون، بمجموعة من الشخصيات، التي كانت تنتمي إلى أندية الليونز وروتاري، المرتبطة بالمحافل الماسونية إلى الواجهة (العدد يتراوح بين 15 نائباً أو يزيد)، في محاولة لاستعادة مشاهد في «الربيع العربي» البائس، ضمن مزرع موزاييكي، غير مسبوق من جمع العلماني، مع الإسلامي، والمتحرر من التقاليد إلى حدّ الزواج المدني، وتشريع وضعية المثليين إلى الداعي إلى العودة إلى «شرع الله» على طريقة ما حدث في عدد من عواصم العرب، من تونس إلى القاهرة، فطرابلس الغرب وبغداد وصولاً إلى سوريا، المنشغلة كسواها من الترتيبات اللبنانية، سواء اتفاق ايراني- أميركي، أو إعادة فلادمير بوتين، بناء نظام دولي جديد، من شأن الشرق الأوسط، ولبنان، الدولة الرخوة من ضمنه، أن يتأثر كثيراً به وبأنظمته المباشرة والبعيدة!

المصدر
اللواء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى