البقاع الغربي أمام مواجهة إيلي الفرزلي وميسم سكاف… والأحزاب تبحث عن مخارج (النهار 27 تشرين الأول)

أعاد تشديد رئيس الجمهورية جوزف عون خلال جلسة مجلس الوزراء على ضرورة إجراء الانتخاب الفرعي لملء المقعد الأرثوذكسي الشاغر بوفاة النائب غسان سكاف، بالتوازي مع موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري المؤيد لإجراء الاستحقاق، الملف إلى صدارة المشهد السياسي في البقاع الغربي. ومع تأكيد النائب أديب عبد المسيح أن الانتخاب سيُجرى، بدأت القوى السياسية إعادة حساباتها، بعدما لم تكن تتعامل مع هذا الاستحقاق بوصفه معركة قريبة تستدعي التحضير لها.
وفيما يبرز اسم النائب السابق لرئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي، برزت أيضاً زوجة النائب الراحل، ميسم يونس سكاف، التي اتخذت قراراً بالسير في المعركة، بما يفتح الباب أمام مواجهة لا تقتصر على التنافس بين شخصيتين، بل تمتد إلى طبيعة التحالفات التي سيتمكن كل منهما من جمعها، ومدى استعداد الأحزاب لخوض استحقاق لم تكن قد أدرجته في حساباتها الانتخابية المباشرة.
الفرزلي شبكة علاقات وسكاف تريد غطاء
يدخل الفرزلي المعركة مستنداً إلى شبكة علاقاته السياسية، وفي مقدمها الدعم الذي يحظى به من حركة “أمل”، بما يتيح تقاطعاً مع “حزب الله”، إلى جانب إمكان الاستفادة من العلاقة الجيدة التي تربطه بالنائب حسن مراد وشعبيته في المنطقة. كذلك، لا يمكن إغفال محاولات الفرزلي التقرب من “تيار المستقبل” وبيئته السياسية، في وقت لا يزال موقف التيار من الاستحقاق والتحالفات المحتملة محاطاً بالغموض.
في المقابل، يمكن ميسم يونس سكاف أن تنطلق من إرث زوجها النيابي والسياسي، وأن تسعى إلى استقطاب القوى المسيحية، أو الأحزاب والشخصيات التي كانت ضمن ما عُرف بقوى 14 آذار، (القوات- الكتائب-المستقبل- الاشتراكي) غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطاً بمدى استعداد هذه القوى للتوافق.
ويبرز هنا الخلاف السياسي بين الفرزلي ورئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل بوصفه عاملاً إضافياً في رسم الاصطفافات. فالسقف المرتفع الذي اعتمده الفرزلي في مواجهة باسيل والتيار قد يسهّل تقاطع بعض القوى المسيحية المناوئة للتيار مع ترشيح سكاف، إذا اتُخذ قرار سياسي بدعمها. وعندها، قد يتحوّل هذا التقاطع إلى منطلق مسيحي للمعركة، وإن تكن طبيعة النظام الأكثري تجعل تجميع الأصوات والتحالفات خارج البيئة المسيحية عاملاً أساسياً أيضاً، ولا تسمح باختزال النتيجة بالاصطفاف الطائفي وحده.
أحزاب تبحث عن مخارج
لكن العامل الذي قد يحدد طبيعة المعركة لا يتعلق بالمرشحين وحدهم، بل أيضاً بمدى استعداد الأحزاب للانخراط فيها. فعودة الانتخابات الفرعية إلى الواجهة فاجأت قوى لم تكن تتحضر لخوضها، وخصوصاً على المستوى المسيحي، ما يضعها أمام ضرورة اتخاذ قرارات سريعة في شأن الترشيحات والتحالفات والإنفاق الانتخابي، فيما لا يفصلها عن الانتخابات النيابية العامة سوى نحو سنة ونصف سنة.
من هنا، قد لا يكون التردد الحزبي نابعاً من غياب المرشحين أو ضعف الاهتمام بالمقعد، بقدر ما يرتبط بحسابات الكلفة والعائد. فالمعركة لن تبدّل بصورة جوهرية التوازنات داخل مجلس النواب، فيما يمكن أن تفرض على الأحزاب استنفار ماكيناتها وكشف حجمها التمثيلي وقدرتها الفعلية على الحشد قبل الاستحقاق العام. لذا قد تفضّل بعض القوى عدم الخوض في مواجهة مباشرة بأسماء حزبية، والبحث عن مرشحين غير حزبيين يشكّلون مخرجاً يتيح لها دعم خيار معين من دون تحمّل كامل المسؤولية السياسية عنه.
وفي هذا السياق، يمكن أن يشكّل المرشحون غير الحزبيين مساحة للتقاطع بين قوى لا ترغب في إعلان تحالفاتها مبكراً، أو لا تريد أن يتحول الانتخاب الفرعي إلى اختبار مباشر لأحجامها الشعبية. كما يتيح هذا الخيار للأحزاب تجنّب استنزاف مواردها المالية والتنظيمية في معركة محدودة الأثر على التوازنات النيابية، مع الاحتفاظ بأوراقها للانتخابات العامة.
وعليه، لن تكون معركة البقاع الغربي مجرد منافسة على المقعد الأرثوذكسي الشاغر، بقدر ما تبدو اختباراً للتحالفات التي يمكن أن تتشكل خارج الاصطفافات التقليدية، ولقدرة الأحزاب على التوفيق بين مقتضيات الاستحقاق وحسابات الانتخابات المقبلة. وبين الفرزلي الذي يستند إلى شبكة علاقات سياسية قائمة، وميسم سكاف التي تسعى إلى بناء مظلة دعم مسيحية، يبقى موقف القوى المترددة، ولا سيما “تيار المستقبل” والأحزاب المسيحية، عاملاً أساسياً في تحديد شكل المواجهة وحجم الانخراط فيها.



