خاص – بين أعباء الإنتاج وآمال التصدير.. كيف يبدو مستقبل الزراعة في البقاع؟

في ظل ارتفاع كلفة الإنتاج وتحديات التصدير، يواجه القطاع الزراعي اللبناني ضغوطًا متزايدة، رغم ما يمتلكه من فرص للنمو في الأسواق الخارجية. فكيف تبدو آفاق الزراعة في البقاع، وما أبرز التحديات التي تواجه المزارعين والصادرات الزراعية اللبنانية؟
في هذا السياق، اعتبر رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في زحلة والبقاع منير التيني في حديث لموقعنا Leb Economy أن القطاع الزراعي في البقاع يواجه تحديات متزايدة في ظل ارتفاع أسعار المحروقات، التي تشكّل عنصرًا أساسيًا في كلفة الإنتاج، مشيرًا إلى أن لجوء المزارعين إلى الطاقة الشمسية لا يشكّل حلًا كافيًا، نظرًا إلى محدودية قدرتهم على تحمّل كلفة تجهيز أنظمة قادرة على تخزين الطاقة وتشغيل مضخات الري لساعات طويلة.

وأوضح التيني أن استخدام الطاقة الشمسية يقتصر غالبًا على ساعات النهار، في حين أن الري خلال هذه الفترة ليس الخيار الأفضل في كثير من الحالات. كما أن تركيب البطاريات اللازمة لتخزين الطاقة وتشغيل المضخات التي تسحب المياه من أعماق تصل إلى 100 و150 مترًا يتطلب كلفة مرتفعة، ولا يوفّر بالضرورة القدرة التشغيلية المطلوبة.
ولفت إلى أن المزارعين قد يلجأون إلى حلول بديلة، منها ضخ المياه خلال النهار وتخزينها في خزانات على سطح الأرض، ثم استخدامها ليلًا بالاعتماد على الجاذبية، إلا أن هذه الحلول تبقى معقدة ومكلفة، وإن كان من الممكن أن تساعد في التخفيف من حدة المشكلة.
وفي ما يتعلق بآليات دعم القطاع الزراعي، أشار التيني إلى أن التمويل البالغ 250 مليون دولار، المقدّم من البنك الدولي والمخصّص لوزارة الزراعة، بدأ يُوزّع عبر مسارات متعددة، تشمل قروضًا بكفالات من مؤسسة «كفالات»، ومساعدات عينية مباشرة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، إضافة إلى مساعدات يُفترض أن تُقدَّم من خلال مشروع «الأخضر».
لكنه أبدى تحفظه على اعتماد القروض بوصفها إحدى وسائل الدعم الأساسية، معتبرًا أن القطاع الزراعي يحتاج إلى حلول أكثر ملاءمة لطبيعة عمله، ولا سيما أن المزارع الذي يحصل على قرض يكون مطالبًا بإعادته، ما يفرض عليه تنفيذ استثمارات قادرة على تحقيق عائد يسمح بتسديد المبالغ المستحقة.
وكشف التيني أن الفائدة المطروحة على القروض تبلغ نحو 7.10%، وهي نسبة وصفها بالمقبولة نسبيًا، إلا أنه اعتبر أن المشكلة الأساسية تكمن في قصر مدة السداد المحددة بسنتين.
وأوضح أن المزارع الذي يحصل على قرض بقيمة 100 ألف دولار سيجد نفسه مطالبًا بتسديد نحو 115 ألف دولار خلال سنتين، ما يشكّل عبئًا كبيرًا عليه في ظل طبيعة الاستثمار الزراعي الذي يحتاج إلى وقت قبل تحقيق عائداته.
وشدد على ضرورة إعادة برمجة هذه القروض بما يتناسب مع احتياجات المزارعين والظروف التي يمر بها القطاع الزراعي، من خلال تمديد فترة السداد وإقرار فترة سماح، قد تصل إلى سنة، تتيح للمزارع تنفيذ استثماره وبدء الاستفادة منه قبل تسديد الأقساط.
وأشار التيني إلى أن غرفة التجارة والصناعة والزراعة في زحلة والبقاع تفاجأت بالشروط المطروحة، وأنه يعتزم إعادة طرح الموضوع مع وزير الاقتصاد ومؤسسة «كفالات»، انطلاقًا من اعتقاده بأن المزارعين قد لا يتقدمون للاستفادة من القروض بصيغتها الحالية.
وأضاف أن القطاع الزراعي يحتاج إلى دعم فعلي يأخذ في الاعتبار خصوصية دورته الاقتصادية، إذ لا يمكن التعامل مع استثماراته كما لو كانت عمليات تجارية سريعة تقوم على شراء السلع وبيعها خلال فترة قصيرة، حتى إن الفائدة البالغة نحو 7% قد تشكّل عبئًا إضافيًا على المزارعين.
وفي ما يتعلق بالصادرات الزراعية اللبنانية إلى المملكة العربية السعودية، اعتبر التيني أن السوق السعودية تشكّل منفذًا مهمًا للمنتجات الزراعية اللبنانية، نظرًا إلى حجمها الكبير وقربها الجغرافي نسبيًا، مشيرًا إلى أن الصادرات الشهرية تبلغ نحو ألفي طن، فيما يتمثل الطموح في رفعها إلى نحو 3 آلاف طن شهريًا.
وأوضح أن ميزة السوق السعودية لا تقتصر على حجم الطلب، بل تشمل أيضًا سهولة الوصول إليها عبر النقل البري، إذ يمكن شحن المنتجات الزراعية من لبنان إلى أسواق المملكة خلال ثلاثة أو أربعة أيام، بما يتيح إيصالها مباشرة وبحالة جيدة، من دون الحاجة إلى الشحن البحري وما يرافقه من إجراءات ومراحل إضافية قد تعرّض البضائع للتلف.
إلا أن التيني أشار إلى أن عودة المنتجات اللبنانية إلى السوق السعودية بعد غياب دام نحو 5 أو 6 سنوات، تعني أن المصدّرين يحتاجون إلى العمل مجددًا لاستعادة مواقعهم، في ظل دخول منتجات منافسة، ولا سيما التركية، إضافة إلى منتجات من دول أخرى، بينها الهند في بعض الأسواق.
واعتبر أن استعادة الحصة السوقية تتطلب بذل جهود إضافية والمشاركة في المعارض المتخصصة لتعزيز حضور المنتجات اللبنانية.
ورأى أن جودة المنتجات الزراعية اللبنانية تشكّل عنصر قوة، لكن استعادة الموقع في الأسواق الخارجية لا تتحقق بالجودة وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى عمل تسويقي وتصديري متواصل.
وأعرب التيني عن أمله في زيادة الكميات المصدّرة إلى المملكة، لكنه حذّر من أن الحرب المستجدة بين اليمن والسعودية قد تؤثر سلبًا على هذه الآفاق، مشيرًا إلى أن التطورات الإقليمية المتلاحقة تعيد فرض تحديات جديدة في وقت تتجه فيه التوقعات نحو التحسن.
وعلى صعيد الصادرات الزراعية، أكد التيني أن البقاع يشكّل مركزًا أساسيًا للإنتاج الزراعي في لبنان، إذ يساهم بنحو 65% من إجمالي الإنتاج الزراعي، ما يجعله محورًا رئيسيًا في حركة الصادرات اللبنانية.
وأشار إلى أن مصر لا تزال، حتى الآن، المستورد الأول للمنتجات الزراعية اللبنانية، موضحًا أن مختلف الأصناف الزراعية تتجه إلى السوق المصرية، مع اختلاف المنتجات المصدّرة بحسب المواسم، ومنها التفاح خلال موسمه، إلى جانب الخضروات والعنب الذي يمكن أن يبدأ تصديره في شهري تشرين الثاني وكانون الأول.



