التكرار في جنايات المخدرات بين إرادة المشرع وتفسير المجلس الدستوري (نداء الوطن 20 تشرين الأول)

أثار التفسير الذي اعتمده المجلس الدستوري في قراره الأخير المتعلق بقانون العفو العام إشكالية قانونية جدية، وتحديدًا لجهة مفهوم التكرار الوارد في البند الخامس من المادة الثانية من القانون رقم 70/2026، الذي استثنى من الاستفادة من العفو “مرتكبي جنايات التكرار بالمخدرات التي تزيد عن المرة الثانية والمرتكبة قبل صدور هذا القانون، سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائية”.
فاعتبر المجلس الدستوري، أنه لا وجود لجناية مستقلة تسمى “جناية تكرار المخدرات”، وأن التكرار يجب أن يُفهم وفقًا للمفهوم القانوني المنصوص عليه في قانون العقوبات، الذي يشترط لقيامه صدور حكم قضائي سابق مبرم، ولا تكفي مجرد الملاحقة القضائية لإثباته.
ولكن، هل أصاب المجلس الدستوري في هذا التفسير، أم أنه أسقط على قانون العفو مفهومًا قانونيًا لم يقصده المشرع؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة إلى الصياغة التي اعتمدها المشرع في قانون العفو نفسه، والبحث عن الغاية التي توخاها من استثناء بعض جنايات المخدرات من أحكامه.
فالمشكلة الأساسية في التفسير الذي اعتمده المجلس الدستوري، تكمن في أنه أخذ عبارة “التكرار” الواردة في البند الخامس من المادة الثانية، وأخضعها مباشرةً للمفهوم القانوني للتكرار المنصوص عليه في قانون العقوبات، باعتباره سببًا مشددًا للعقوبة، من دون أن يبحث بدايةً عما إذا كان المشرع قد قصد فعلا هذا المفهوم عند وضع قانون العفو.
والواقع أن قراءة أحكام القانون نفسه تكشف عن معطيات واضحة تقود إلى نتيجة مغايرة تمامًا.
أولا، إن المشرع اتجه في قانون العفو إلى استثناء الأشخاص الذين احترفوا الاتجار بالمخدرات، وذاع صيتهم في هذا المجال، وأصبح لهم باع طويل فيه، نتيجة انخراطهم المتكرر والمستمر في هذا النوع من النشاط الجرمي، وحصر الاستفادة من العفو بفئة محددة من المرتكبين الأقل خطورة والأقل انخراطًا في عالم الجريمة.
ولهذه الغاية، اعتمد المشرع عدد الملاحقات القضائية معيارًا للتمييز بين الفئتين، باعتباره مؤشرًا جديًا على مدى انخراط الشخص المعني في عالم المخدرات، من دون اشتراط صدور أحكام قضائية مبرمة بشأن تلك الملاحقات.
وهذا التوجه ليس غريبًا عن المنطق القضائي أو عن العمل القضائي المستقر، إذ إن القضاء نفسه يميّز بين الأسبقيات الجرمية والأحكام القضائية المبرمة، ويعتدّ بكل منهما لغاية مختلفة. فهو قد يأخذ في الاعتبار تعدد الملاحقات والأسبقيات الجرمية عند اتخاذ بعض القرارات المتعلقة بالشخص الملاحق، ومنها تقدير مدى توافر مبررات التوقيف الاحتياطي، في حين يشترط صدور أحكام قضائية مبرمة، وتوافر سائر الشروط القانونية، لتطبيق أحكام التكرار المنصوص عليها في قانون العقوبات بوصفه سببًا مشددًا للعقوبة.
ومن هنا، فإن اعتماد المشرع تكرار الملاحقات معيارًا للاستثناء من العفو، لا يشكّل خروجًا عن المفاهيم المعروفة في العمل القضائي، بل ينسجم مع التمييز القائم بين الأسبقيات الجرمية، بوصفها معطى قد يؤخذ في الاعتبار لغايات قانونية محددة، والتكرار بالمعنى المنصوص عليه في قانون العقوبات، بوصفه سببًا لتشديد العقوبة.
أما التفسير الذي اعتمده المجلس الدستوري، فمن شأنه توسيع نطاق الاستفادة من العفو ليشمل أشخاصًا تعددت الملاحقات القضائية بحقهم في جنايات المخدرات، وربما بلغ عددها المئات، لمجرد عدم صدور أحكام قضائية مبرمة تتوافر معها شروط التكرار المنصوص عليها في قانون العقوبات، وهو ما يؤدي إلى إخراج الفئة التي أراد المشرع استثناءها من نطاق الاستثناء نفسه، وإلى إفراغ هذا الاستثناء من جانب أساسي من الغاية التي شُرّع من أجلها.
وهذه النتيجة تثير تساؤلا جديًّا حول مدى انسجام التفسير المذكور مع إرادة المشرع والغاية التي توخاها من وضع الاستثناء.
ثانيًا، وهو الأهم، أن المشرع نص صراحةً في البند الخامس على استثناء جنايات التكرار بالمخدرات “سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائية”.
وهذه العبارة تحمل دلالة قانونية لا يجوز إغفالها عند تفسير النص.
فلو كان المشرع يقصد التكرار بمفهومه المنصوص عليه في قانون العقوبات، الذي يشترط صدور حكم قضائي سابق مبرم، فما الحاجة إلى النص صراحةً على شمول الاستثناء جرائم لم تصدر بها أحكام قضائية؟
ألا تصبح هذه العبارة، في ضوء التفسير الذي اعتمده المجلس الدستوري، لزوم ما لا يلزم، أو على الأقل عبارة يُفرغ التفسير جزءًا أساسيًا من مضمونها؟
إن الأصل في تفسير النصوص القانونية هو إعطاء كل عبارة وردت فيها معناها وأثرها، لا اعتماد تفسير يؤدي إلى تجريد بعض عباراتها من قيمتها القانونية.
ومن هنا، فإن النص صراحةً على عدم اشتراط صدور أحكام قضائية يشكل دليلا واضحًا على أن المشرع لم يقصد حصر التكرار بمفهومه الوارد في قانون العقوبات، وإنما قصد تعدد الجرائم موضوع الملاحقات القضائية، بصرف النظر عن صدور أحكام بشأنها.
ثالثًا، إن الدليل الأكثر وضوحًا على عدم صوابية التفسير الذي اعتمده المجلس الدستوري نجده في قانون العفو نفسه.
فالمشرع، عندما تناول جرائم السرقة في البند الثالث عشر من المادة الثانية من قانون العفو، تحدث عن نوعين من التكرار، هما تكرار الملاحقات وتكرار الأحكام.
وهذا التمييز بالغ الأهمية، لأنه يشكل إقرارًا تشريعيًا صريحًا بأن مفهوم التكرار في قانون العفو لا ينحصر بالضرورة بالمفهوم المنصوص عليه في قانون العقوبات، وإنما قد يشمل تكرار الملاحقات القضائية أيضًا.
وبالتالي، فإن القول بعدم وجود سوى مفهوم قانوني واحد للتكرار، هو المفهوم الوارد في قانون العقوبات، يتعارض مع الصياغة التي اعتمدها المشرع نفسه في القانون عينه.
وكان الأولى بالمجلس الدستوري، قبل أن يسقط مفهوم التكرار الوارد في قانون العقوبات على البند الخامس المتعلق بجنايات المخدرات، أن يتوقف عند البند الثالث عشر المتعلق بجرائم السرقة، وأن يبحث عن المقصود بالتكرار في ضوء التمييز الذي اعتمده المشرع بين تكرار الملاحقات وتكرار الأحكام.
فإذا كان المشرع قد اعتمد هذين المفهومين في القانون نفسه، فإن السؤال الذي كان ينبغي طرحه هو: هل قصد في البند الخامس تكرار الملاحقات أم تكرار الأحكام؟
والجواب عن هذا السؤال نجده في البند الخامس نفسه، وتحديدًا في عبارة “سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائية”، التي تنسجم مع مفهوم تكرار الملاحقات، ولا تنسجم مع حصر التكرار بتعدد الأحكام القضائية المبرمة.
رابعًا، إن عبارة “التي تزيد عن المرة الثانية” تشكل دليلا إضافيًا على أن المشرع قصد تكرار الملاحقات، وليس التكرار بمفهومه المنصوص عليه في قانون العقوبات.
ذلك أن تحقق التكرار وفقًا للشروط المنصوص عليها في قانون العقوبات يستلزم تعاقب أحكام قضائية مبرمة وأفعال جرمية جديدة، ضمن شروط قانونية محددة.
أما إذا أخذنا بالتفسير الذي اعتمده المجلس الدستوري، واعتبرنا أن المقصود هو تكرار الأحكام المبرمة بما يزيد عن المرة الثانية، فإننا نكون أمام حالة بالغة الندرة والصعوبة من الناحية العملية.
فمثل هذه الحالة تفترض تعاقب جرائم وأحكام قضائية مبرمة، وما قد يرتبط بها من تنفيذ عقوبات سالبة للحرية، ثم ارتكاب جرائم جديدة، بما قد يستغرق سنوات طويلة، وربما عشرات السنين.
فهل يُعقل أن يكون المشرع قد وضع استثناءً يتعلق بجنايات المخدرات المتكررة، ثم ربط تطبيقه بشروط تجعل تحققه بالغ الندرة؟
أم أن التفسير الأكثر انسجامًا مع النص، هو أن المشرّع قصد الأشخاص الذين تتكرر الملاحقات بحقهم في جنايات المخدرات بما يزيد عن المرتين، سواء صدرت أحكام قضائية بشأن هذه الجرائم أم لم تصدر؟
إن عبارة “التي تزيد عن المرة الثانية”، مقروءةً بالاقتران مع عبارة “سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائية”، تعزز بصورة واضحة الاستنتاج بأن المقصود هو تكرار الملاحقات.
خامسًا، إن التفسير الذي اعتمده المجلس الدستوري قد يؤدي إلى نتائج غير منطقية، بل ومناقضة للغاية التي توخاها المشرع من الاستثناء.
فوفقًا لهذا التفسير، قد يستفيد من العفو شخص توارى عن الأنظار، وتعددت الملاحقات القضائية بحقه في جنايات المخدرات، وربما صدرت بحقه عشرات مذكرات التوقيف، لمجرد أنه لم تصدر بحقه أحكام قضائية مبرمة تتوافر معها شروط التكرار المنصوص عليها في قانون العقوبات.
في المقابل، قد يُحرم من العفو شخص آخر امتثل لأوامر القضاء، وخضع للمحاكمة، وصدرت بحقه أحكام قضائية مبرمة تتوافر معها تلك الشروط.
وهكذا، يصبح الشخص المتواري عن العدالة في وضعية قانونية أفضل من الشخص الذي امتثل للقضاء، وهي نتيجة يصعب القول إنها تنسجم مع إرادة المشرع.
فهل يُعقل أن يكون المشرع قد قصد مكافأة من أفلت من المحاكمة، وحرمان من امتثل للقضاء، لمجرد أن الأول لم تصدر بحقه أحكام قضائية مبرمة؟
إن هذه النتيجة وحدها تكفي لإثارة الشك في سلامة التفسير المعتمد، خصوصًا عندما تكون هناك قراءة أخرى للنص أكثر انسجامًا مع عباراته ومع الغاية التي توخاها المشرع.
خلاصة القول:
إن التفسير الذي اعتمده المجلس الدستوري لمفهوم التكرار في جنايات المخدرات لم ينطلق من قراءة متكاملة لأحكام قانون العفو نفسه، وإنما من إسقاط مفهوم قانوني ورد في تشريع آخر ولغاية مختلفة. فالتكرار المنصوص عليه في قانون العقوبات يشكّل سببًا مشددًا للعقوبة، ويخضع لشروط قانونية محددة، في حين أن التكرار الوارد في قانون العفو يُستخدم لتحديد نطاق الاستثناء من أحكامه، وهي غاية مختلفة لا تستوجب بالضرورة اعتماد المفهوم ذاته.
وكان الأولى بالمجلس الدستوري، أن يقرأ البند الخامس من المادة الثانية في ضوء ثلاثة معطيات أساسية: عبارة “التي تزيد عن المرة الثانية”، وعبارة “سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائية”، والتمييز الصريح الذي اعتمده المشرع في البند الثالث عشر من المادة نفسها بين تكرار الملاحقات وتكرار الأحكام.
فهذه المعطيات، عند قراءتها بصورة مترابطة، تقود إلى الاستنتاج بأن المشرع قصد تكرار الأفعال الجرمية موضوع الملاحقات القضائية في جنايات المخدرات، لا التكرار بمفهومه المنصوص عليه في قانون العقوبات.
ويزداد هذا الاستنتاج وضوحاً إذا ما أخذنا في الاعتبار أن مفهوم تكرار الملاحقات ليس مفهومًا غريبًا أو طارئًا على العمل القضائي، بل هو مفهوم معروف ومتداول في الأحكام والقرارات القضائية، ولو بتسميات مختلفة، من بينها “الأسبقيات الجرمية”، التي يُستدل بها على تعدد الوقائع والملاحقات السابقة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة توافر شروط التكرار المشدد للعقوبة المنصوص عليه في قانون العقوبات.
ومن هنا، فإن ما يثير الاستغراب في تفسير المجلس الدستوري ليس اعتماده مفهوم التكرار المنصوص عليه في قانون العقوبات بحد ذاته، وإنما استبعاده مفهومًا آخر للتكرار، معروفًا في العمل القضائي، ومعتمدًا صراحةً من المشرع في قانون العفو نفسه بالنسبة إلى جرائم السرقة، رغم وجود مؤشرات تشريعية واضحة في البند الخامس المتعلق بجنايات المخدرات، تدل على أن المقصود، هو تعدد الأفعال الجرمية والملاحقات الناشئة عنها، بصرف النظر عن صدور أحكام قضائية بشأنها.
فليس كل تكرار يرد في نص قانوني هو بالضرورة التكرار المنصوص عليه في قانون العقوبات، ولا سيما عندما يكون القانون المطلوب تفسيره، قد ميّز صراحةً بين نوعين من التكرار: تكرار الملاحقات وتكرار الأحكام. وعليه، فإن القول بوجود مفهوم قانوني واحد للتكرار، وحصره بالمفهوم الوارد في قانون العقوبات، يتعارض مع التمييز الذي اعتمده المشرع في قانون العفو نفسه، ويؤدي إلى إغفال دلالات نصية واضحة كان ينبغي أن تشكّل المنطلق الأساسي للتفسير.
وليس من سلامة التفسير القانوني أن نُخضع إرادة المشرع لمفهوم قانوني مسبق، ونستبعد في المقابل مفهومًا آخر اعتمده المشرع صراحةً في القانون نفسه الذي يُراد تفسيره. فالأصل أن يُستمد معنى النص من عباراته وسياقه والغاية التي شُرّع من أجلها، لا أن تُحمَّل عباراته معنىً مستعاراً من تشريع آخر، متى كانت أحكامه نفسها تقدّم ما يدل على خلاف ذلك.



