أزمة المحروقات تشرّع «المجازر» في الغابات( الأخبار 10 تشرين الأول)

على أبواب فصل الشتاء تبدأ مرحلة جديدة من معاناة اللبنانيين من الغلاء، فتكلفة التدفئة لا تقلّ قيمة عن فاتورة الكهرباء نتيجة الاستخدام المتواصل للمراوح والمكيّفات في أشهر الحر، ما يدفع عدداً من العائلات، خاصة التي تقيم في الأطراف والقرى الجبلية إلى اعتماد الحطب بديلاً عن المازوت للتدفئة، خاصةً بعد أن بلغ سعر صفيحة المازوت نحو 29 دولاراً.
في القرى والأطراف، تنحصر خيارات العائلات للتدفئة في فصل الشتاء بين الحطب والمازوت، اللذيْن يشتركان بالتكلفة العالية على جيوب الأسر. فالاعتماد على المازوت يستنزف ميزانية الأسرة، والحطب لم يعد رخيصاً كما في السابق، إذ يراوح سعر طن الحطب بين 250 و350 دولاراً، وهو ما يدفع بعض الناس إلى اللجوء إلى ممارسات غير قانونية، تتمثّل بقطع الأشجار المُعمّرة واستخدامها حطباً للتدفئة.
ولكن لم يعد الحطب خياراً اقتصادياً للتدفئة بالنسبة إلى شريحة واسعة من اللبنانيين. فطن الحطب يُباع هذا الموسم ابتداءً بـ250 دولاراً، ويرتفع سعره بحسب النوع والجودة، فضلاً عن مصاريف النقل التي تختلف بين منطقة وأخرى. وعلى الرغم من أنّ سعره يبقى أدنى بكثير من طن المازوت الذي وصل إلى نحو 1500 دولار، إلا أنّ تكلفة التدفئة لا تُقاس بسعر الطن الواحد، إذ قد يحتاج المنزل إلى كميات كبيرة في الموسم الشتوي، ولا سيما في المناطق الجبلية والباردة حيث يرتفع الاستهلاك مع انخفاض درجات الحرارة وطول ساعات التدفئة. على سبيل المثال، إذا كان الشتاء طويلاً وبارداً، قد تصل حاجة المنزل إلى نحو خمسة أطنان من الحطب، ما يرفع الفاتورة إلى أكثر من ألف دولار في الموسم الواحد.
كلود، وهو من سكان بلدة عشقوت، يستهلك ما بين 3 و4 أطنان من الحطب في فصل الشتاء، ويضطر إلى شرائها لتأمين حاجته من التدفئة. وعلى الرغم من التكلفة، يرى أنّ الحطب يبقى الخيار الأقل عبئاً مقارنةً بالمازوت، ويقول: «كيف ما برمتها، بتضل أوفر من تشغيل دفا عالمازوت». أمّا جورج، الذي يسكن في فاريا، فيستهلك نحو خمسة أطنان خلال الشتاء، ولكنّه لا يشتري الحطب بحكم عمله في مجال الحفريات وتشغيل الشاحنات والجرافات، إذ يستفيد من الأخشاب التي تُجمع من ورش العمل التي ينفّذها. لذلك، لا يعتمد على نوع محدّد من الحطب، بل يستخدم ما يتوافر في تلك الورش.
جرائم بيئية بحقّ أشجار مُعمّرة
وفي الفترة الأخيرة، عادت إلى الواجهة مشاهد التحطيب وقطع الأشجار في أعالي جرود كسروان، وطاولت بعض العمليات أشجاراً مُعمّرة وأنواعاً حرجية محمية، من بينها شجر اللزاب. ويُعدّ اللزاب، وفق الناشط البيئي رولاند فريفر «أحد أهم الكنوز الحرجية والطبيعية في الجبال اللبنانية، ولا سيما في المرتفعات العالية والجرود»، إذ يتميّز بقدرته على مقاومة الظروف المناخية القاسية، من البرد والجفاف إلى التفاوت الكبير في درجات الحرارة، وينمو على ارتفاعات تتجاوز ألفي متر.
وتزداد أهميته البيئية نظراً إلى بطء نموه الشديد وطول عمره، إذ تضم غابات اللزاب أشجاراً يعود عمر بعضها إلى مئات السنين. ولذلك، فإنّ قطعها يعني خسارة يصعب تعويضها سريعاً، «خصوصاً أنّ جذورها المتغلغلة بين الصخور تؤدّي دوراً أساسياً في تثبيت التربة على المنحدرات الجبلية والحدّ من انجرافها بفعل الأمطار والسيول».
قانون الغابات
يخضع قطع الأشجار في لبنان لقانون الغابات، سواء كانت موجودة في أملاك الدولة والبلديات أو في الأملاك الخاصة والأوقاف والجمعيات. وبالتالي، لا يحق لصاحب الأرض قطع الأشجار بقرار منفرد، بل يتطلب الأمر ترخيصاً مُسبقاً من وزارة الزراعة. وهذا لا يعني هذا الأمر فتح الباب أمام التحطيب، إذ تحصر الوزارة التراخيص بحالات محدّدة، من بينها وجود رخصة بناء قانونية، أو ضرورات تتعلق بالسلامة العامة ضمن شروط معينة، إضافةً إلى قطع بعض الأشجار المزروعة وتشحيل الأشجار التزيينية والواقعة على الطرقات العامة وفق الأصول. وحتى الأشجار الحرجية اليابسة كلياً، التي سمحت الوزارة بقطعها استثنائياً ضمن آلية «القطع الصحي الطارئ» في آب 2026، تخضع لكشف فني مُسبق وإشراف مباشر من مراكز الأحراج.
وعند ضبط أي مخالفة، ينظّم حرّاس الأحراج محاضر ضبط، وتُصادر الأحطاب والأدوات والآليات المُستخدمة، فيما يُحال المُخالِفون إلى الجهات القضائية المختصة بالتنسيق مع القوى الأمنية.
غير أنّ تطبيق هذه الإجراءات يصطدم بمحدودية الإمكانات البشرية واللوجستية المُتاحة لحراس الأحراج، في وقتٍ تدفع فيه الظروف الاقتصادية وارتفاع كلفة التدفئة بعض المواطنين إلى البحث عن بدائل أقل كلفة، وسط استغلال تجار الحطب الطلب المتزايد لتحقيق الأرباح، ولو كان ذلك على حساب الثروة البيئية.



