النبطية: أهلاً بالدولة… التي تحمينا (الأخبار 16 أيلول)

في الأيام الأخيرة التي أعقبت «تعزيز انتشار الجيش» والقوى الأمنية، والزيارة المفاجئة لرئيس الجمهورية جوزيف عون إلى النبطية، ظلّ الثابت الوحيد في «مشهد النبطية» استمرار الغارات الحربية والقصف المدفعي الإسرائيلي على البلدات المحيطة بالمدينة، فيما سُجّل تحسّن نسبي في حركة الشارع والأسواق. أما ما عدا ذلك، فينتظر أهل النبطية ترجمة الأقوال إلى خطوات ملموسة، تعيد الناس إلى بيوتهم لمرة أخيرة، وتعيد «الدولة» إلى المدينة
كانت الأصوات الآتية من سوق النبطية مبعثرة ومتباعدة، كالأحجار القديمة التي أصابتها غارة إسرائيلية في مبنى تراثي في حيّ السراي. وكانت المدينة، مرة أخرى، تمارس «تمارين» الوقوف والحركة بعد أسبوع ساخن أمنياً.
«سوق الإثنين» عاد، مرة أخرى أيضاً. عاد الباعة وأصحاب البسطات ببضائعهم، لكن البيع قليل. هنا رجل من إحدى قرى النبطية، نازح حالياً إلى صيدا، لكنه يأتي كل إثنين لـ«يفرش» بضاعته في وسط السوق بأسعار مخفّضة جداً. وهناك آخر يعرض أحذية مستعملة مكان المحل المدمّر الذي كان يعمل فيه لسنوات. ورجل ثالث يبيع مقتنيات بيتية بسيطة لا عنوان واضحاً لها. وامرأة لا تساوم زبوناً على سعر قطعة ثياب ولادية.
صوت ينادي على «القطنيات»، وآخر على «شَرحة» تفاح فقط بـ300 ألف ليرة. في السوق، لا يزال ابن النبطية مجيد حدرج، صاحب مكتبة «توتي بوتي»، في مكانه منذ ثلاثين عاماً. الرجل الذي أعاد ترتيب رفوف كتبه مؤقتاً، وكان يسأل زبوناً عن نوع قراءاته، يرى «أننا نعيش في ذروة توحش المشروع الغربي الإبادي لتطويع المنطقة».
في الشوارع، متسوّقون وزوّار جاؤوا لتفقّد المكان والوجوه، بعد غياب طويل عن أمكنة يعرفونها جيداً، قبل أن تشهد نكبتها. وفي نقطة وسط المدينة، ينتشر بضعة عناصر من الأمن العام. قبل ذلك، كانت دورية للجيش قد مرّت في شارع محمود فقيه، الذي شهد غارتين إسرائيليتين الأسبوع الماضي. حسناً. ماذا تغيّر؟ لا شيء تقريباً. فالجيش كان موجوداً أصلاً في النبطية، وكذلك الأمن العام و«أمن الدولة»، الذي سقط له 13 شهيداً في الحرب.
في زيارته الأخيرة، قال رئيس الجمهورية: «اكتبوا المطالب وأرسلوها لي». ولكن، هل تُسأل مدينة منكوبة عن مطالبها، كما لو أن الأمر يتعلّق باجتماع لجنة بناية؟
انقسم الناس في المدينة في موقفهم من الزيارة «التي جاءت خلسة»، مع أن مطلب الجميع، منذ اليوم الأول لوقف إطلاق النار، كان أن تستعيد «الدولة» حضورها الفاعل: الدولة بكل مؤسساتها ودوائرها وقواها الأمنية. ويقول رأي وازن في المدينة إنه «لا يمكن إلا النظر بإيجابية إلى الزيارة، لكن في الوقت نفسه لا يمكننا أن نتجاهل ما يحمله كثير من أبناء الجنوب والنبطية في صدورهم من شعور بالخذلان خلال أصعب المراحل التي مرّت عليهم، بعدما دفعوا أثماناً باهظة من أرواح أبنائهم وبيوتهم وأرزاقهم ومؤسساتهم، وعاشوا القتل والدمار والنزوح والتهجير».
«نريد دولة تحمينا»
لا يجد الناشط الثقافي والإعلامي كامل جابر تفسيراً لاستهداف الاحتلال منزل آل الشريف التراثي في حيّ الراهبات، ولا بيت المناضل الراحل حبيب صادق في الكفور، ولا ارتكاب مجزرة بحق المدنيين في كفر رمان، ولا لكل مسلسل تدمير الأعيان المدنية في النبطية ومحيطها خلال الأشهر الأخيرة. «ما الذي يمنع من تكرار الأمر؟»، يسأل جابر.
يعرف سكان النبطية أن وجود الجيش ليس موضع خلاف البتّة. لكن إثارة الموضوع من باب «نزع الذرائع» من العدو، أو من بوابة تحميل المسؤولية أيضاً لمن «قال للجنوبيين إنه الأقدر على حمايتهم»، كما جاء في «نداء النبطية» الأخير، هو ما أثار سجالاً واسعاً. يقول جابر: «لا البيان بينقذ النبطية ولا الكلام». وفي رأيه، فإن «الأساس هو الضمانات الأميركية تحديداً. هل حصل شيء من هذا القبيل؟ لا نعرف بالضبط».
وفيما يأمل الصحافي علي عميص أن تنعكس «هبّة الدولة» إيجاباً على المدينة، يلفت إلى أن «تعزيز انتشار الجيش في النبطية، وهو أمر بديهي، لا يكفي وحده لحمايتها من الاعتداءات الإسرائيلية، فالموضوع في مكان آخر». عميص، الذي نشط خلال الأسابيع الماضية في الترويج لإعادة فتح المؤسسات الاقتصادية في النبطية، يرى أن تعزيز حضور «الدولة»، بكل أجهزتها وإداراتها ومؤسساتها، هو ما سيشجّع مزيداً من السكان على العودة وفتح «مصالحهم».
في السياق نفسه، يعتبر رئيس «الجمعية التنظيمية لتجار النبطية والجوار» محمد بركات جابر أن «وجود الجيش والقوى الأمنية بكثافة وفاعلية يعطي الناس شعوراً بالاستقرار والطمأنينة». لكن «حماية الجنوب والنبطية تحتاج إلى موقف دولة متكامل، وإلى قدرة سياسية ودبلوماسية ودفاعية حقيقية تفرض احترام السيادة اللبنانية وتمنع الاعتداءات». ويختم: «المعادلة التي نريدها واضحة: لا نريد الحرب، ولكننا لا نقبل الاستسلام. نريد الدولة، ولكننا نريد دولة تحمينا. ونريد السلام، ولكن سلاماً يحفظ السيادة والكرامة والحقوق».
«آلو حاج عباس… معك جوزيف عون»
لا يوفّر رئيس بلدية النبطية عباس فخر الدين جهداً لخدمة مدينته التي تمرّ بواحد من أصعب ظروفها التاريخية على الإطلاق. «الآن وقت العمل وحشد كل الطاقات وتوحيد الجهود»، يقول الرجل. وهو لا يكاد ينتهي من اجتماع مع وفد أوروبي، حتى ينتقل إلى لقاء عدد من أصحاب المصالح التجارية المتضرّرة. وبينما يتابع أحوال مدينته المنكوبة مع اللجان المختصة في المجلس البلدي أو مع المعنيين في الدوائر الحكومية، يظهر فجأة في افتتاح مشروع تجاري جديد، أو في جولة ميدانية في أحد أحياء المدينة.
يُعرَف عن فخر الدين، الآتي من تجربة طويلة في العمل الاجتماعي والحزبي، أنه «هادئ ومنفتح ومتفهّم لكل الآراء. وقد عزّزت هذه التجربة أدوات تواصله مع الناس. «عندي قناعة ثابتة بالحوار والانفتاح على الجميع. أرى أن النبطية فسيفساء متنوعة سياسياً واجتماعياً وثقافياً، وعلينا أن نحترم هذا التنوع ونحافظ عليه».
لكن شخصية الرجل «المرنة» لا تعني غياب الموقف من السجال الأخير حول «تحييد المدينة». يقول فخر الدين إن بيان إمام المدينة الشيخ عبد الحسين صادق كان مهماً ومتوازناً، و«لا نعهد منه إلا مصلحة النبطية». أما عن «نداء النبطية»، فيلفت إلى أن الشق المتعلّق بانتشار الجيش «أيّدناه ووفّرنا له التسهيلات منذ اللحظة الأولى، وما حدا فيه يزايد علينا». لكنه يرى أن النداء، في شقّه الآخر، «يساوي الضحية بالجلاد، وهذا ما لا يقبل به القسم الأكبر من أهالي المدينة».
قبل قرار تعزيز انتشار الجيش الأخير، كان رئيس الجمهورية قد اتصل برئيس البلدية على نحو مفاجئ، وقال له عبر الهاتف: «معك جوزيف عون… أنا حدكن، وأجريت اتصالاتي مع أميركا والسعودية لحماية المدينة، وبدّي إعمل اجتماعات مع مجلس الأمن المركزي لتكون الدولة وأجهزتها حاضرة».
يقول فخر الدين: «شكرت فخامة الرئيس على اتصاله وقلت له: أهلاً بك في النبطية. أنا يا فخامة الرئيس باقي هون، وإذا قرّر الإسرائيلي يفوت عالنبطية، بقوّص عليه بمسدّسي المرخّص لحتى استشهد». قال له الرئيس: «فشروا يفوتوا، وأي شي بدكن ياه حكيني بأي وقت».
يقول فخر الدين: «نحن لطالما وجّهنا النداء إلى السلطات المعنية لتحضر إلى النبطية. لذلك، لا يمكننا إلا أن ننظر بإيجابية إلى زيارة رئيس الجمهورية وعودة أجهزة الدولة وبعض إداراتها، وهو أمر لا شك في أنه ستكون له انعكاسات إيجابية على الوضع العام في المدينة، شرط ألّا تتعرّض مجدداً لاعتداءات إسرائيلية».



