أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

إصلاحُ القطاع العام: من تقليص الإدارة إلى إعادة التعريف (الجمهورية 12 أيلول)

لم يعد إصلاح القطاع العام اللبناني مسألة تحسين رواتب الموظفين أو وقف التوظيف أو خفض عدد العاملين فحسب. الأزمة أعمق من ذلك: هل ما زالت بنية الدولة اللبنانية، بإداراتها ومؤسساتها العامة ومجالسها وصناديقها، تتلاءم مع الوظائف التي يفترض بالدولة الحديثة أن تؤديها؟ اكتشفالفعاليات العربية

الغاية ليست الوصول إلى «دولة صغيرة» بالمعنى العددي، بل إلى دولة رشيقة وقادرة، تحتفظ بوظائفها السيادية والتنظيمية والاجتماعية الأساسية، وتتخلّى عن الازدواجية والوساطة الإدارية والإجراءات التي تستطيع التكنولوجيا إنجازها بصورة أسرع وأقل كلفة.

الإصلاح يبدأ من الوظيفة لا من الموظف

ينبغي أن تسبق أي عملية تقليص مراجعة وظيفية شاملة للدولة، وما الخدمات التي يجب أن تقدّمها مباشرة؟ ما الذي يمكن أن تتولاه البلديات أو المؤسسات المستقلة؟ وما النشاط الذي لم يعد ثمة مبرر لبقاء الدولة فيه أصلاً؟

وهذا المنهج ينسجم مع الاتجاهات الحديثة في إصلاح الإدارة العامة. فقد شدّد صندوق النقد الدولي، في تقريره عن الإنفاق على العاملين في لبنان الصادر سنة 2026، على أهمية المراجعات الوظيفية التي تسمح بتحديد الخدمات الضرورية، وكشف التداخل بين المؤسسات، واختيار الطريقة الأكثر كفاءة لتقديم الخدمة. ومن هنا يمكن وضع قاعدة تشريعية جديدة: لا إدارة أو مجلس أو صندوق أو مؤسسة عامة تستمر، لمجرد أنّ قانوناً أنشأها منذ عقود، بل يجب أن يبرّر استمرارها دور عام حالي وقابل للقياس. أخبارلبنان

أي مؤسسات ينبغي مراجعتها؟

بدلاً من قرار سياسي مسبق بإلغاء مؤسسة محددة، ينبغي إخضاع جميع المؤسسات العامة والمجالس والصناديق والمصالح المستقلة لاختبار قانوني ومالي موحّد. فإذا كانت مؤسسة تؤدي المهمّة نفسها التي تؤديها وزارة أو مؤسسة أخرى، يصبح الدمج خياراً جدّياً. وإذا انتفت الغاية التي أُنشئت من أجلها، يكون الإلغاء منطقياً. وإذا كانت تقوم بنشاط اقتصادي يمكن تنظيمه من الدولة بدلاً من أن تديره الدولة بنفسها، ينبغي دراسة تغيير نموذجها القانوني والإداري. أما المؤسسات ذات الوظائف السيادية أو التنظيمية أو الاجتماعية الضرورية، فلا يكون الإصلاح بإلغائها وإنما بتحديثها.

ويكتسب ذلك أهمية خاصة بالنسبة إلى المجالس والصناديق والهيئات ذات الاختصاصات المتقاطعة مع الوزارات، والمؤسسات العامة التجارية، والأجهزة التي تملك مجالس إدارة وهياكل إدارية مستقلة رغم محدودية نشاطها. المطلوب إعداد «خريطة مؤسساتية للدولة» تبيّن لكل جهاز أساس إنشائه، وظيفته الحالية، عدد العاملين فيه، موجوداته، موازنته، تحويلات الخزينة إليه، والنتيجة العامة التي ينتجها.

وقد خلص تشخيص صندوق النقد للحوكمة في لبنان سنة 2026 إلى وجود أطر قانونية قديمة وترتيبات مؤسساتية مجزأة، كما اعتبر حوكمة المؤسسات المملوكة للدولة مصدراً للمخاطر المالية، ودعا على المدى المتوسط إلى إطار قانوني موحّد، يحدّد بوضوح مبررات ملكية الدولة للمؤسسات، ويفصل بين وظيفة الدولة كمالك ووظيفتها كمنظّم وصانع للسياسات.

هل تستطيع الحكومة إلغاء المؤسسات بقرار؟

هنا تبرز المسألة القانونية الدقيقة. لا توجد آلية واحدة تصلح لإلغاء جميع أجهزة القطاع العام. فالقاعدة هي مبدأ توازي الصيغ والاختصاصات، فالجهاز المنشأ بقانون لا يلغى، من حيث المبدأ، إلّا بقانون أو بنص تشريعي يملك القوة القانونية اللازمة. أما الجهاز المُنشأ بنص تنظيمي، فيُعاد تنظيمه أو إلغاؤه بالأداة القانونية التي يسمح بها النظام الذي أُنشئ بموجبه.

لذلك، يفترض بالإصلاح الحقيقي أن يبدأ بجردة تشريعية تحدّد، مؤسسةً مؤسسة، النص المنشئ لها والسلطة المختصة بتعديل بنيتها أو دمجها أو إلغائها. والأفضل أن يقرّ مجلس النواب قانوناً إطارياً لإعادة هيكلة القطاع العام، يضع المعايير والضمانات والمهل، ويكلّف الحكومة بإجراء المسح الوظيفي، على أن تتخذ إجراءات الإلغاء والدمج وفق مرتبة النص القانونية اللازمة لكل حالة، منعاً لتحول الإصلاح إلى سلسلة من الطعون أمام مجلس شورى الدولة.

ماذا يحدث للموظفين؟

إلغاء المؤسسة لا يعني قانوناً إلغاء حقوق العاملين فيها بصورة آلية. وهنا يجب التمييز بين الوظيفة والموظف، وبين الموظف الدائم والمتعاقد والأجير وسائر أنظمة الاستخدام. فالدولة تستطيع إعادة تنظيم مرافقها، ولا يمكن اعتبار بقاء كل مؤسسة أو كل وظيفة إلى الأبد حقاً مكتسباً. لكن إعادة التنظيم يجب ألّا تتحول إلى وسيلة تعسفية لمصادرة الحقوق المالية أو المراكز القانونية التي نشأت بصورة صحيحة في ظل القانون.

لذلك، ينبغي أن يتضمن قانون إعادة الهيكلة سلّماً للحلول، يبدأ بإعادة توزيع الموظفين حيث توجد حاجة فعلية، ثم إعادة التدريب والتأهيل، والاستفادة من الشواغر، وعدم ملء الوظائف التي تنتفي الحاجة إليها بعد التقاعد الطبيعي، وصولاً عند الضرورة إلى برامج اختيارية للخروج من الخدمة بضمانات وتعويضات عادلة. وبذلك نحمي الحقوق المكتسبة فعلاً من دون تحويل مفهوم الحقوق المكتسبة إلى حق أبدي في بقاء الهيكل الإداري نفسه.

الحكومة الإلكترونية ليست حاسوباً على مكتب الموظف

التحوّل الرقمي يجب أن يكون جزءاً من إعادة الهيكلة لا مشروعاً موازياً لها. فالخطأ هو رقمنة البيروقراطية كما هي في أن يصبح النموذج الورقي نموذجاً إلكترونياً، فيما تبقى الموافقات والتواقيع والمراجعات نفسها. المطلوب تطبيق مبدأ «المواطن لا ينقل المعلومات بين أجهزة الدولة». فإذا كانت الإدارة تملك معلومة رسمية، فلا يجوز لإدارة أخرى إلزام المواطن باستخراجها منها وإعادة تقديمها إليها.

وتسمح الهوية الرقمية والسجل الإداري الموحّد والتوقيع الإلكتروني والتشبيك بين قواعد البيانات، بإنجاز عدد كبير من المعاملات من دون حضور المواطن، وتؤدي تدريجياً إلى الاستغناء عن طبقات كاملة من الإجراءات والوظائف الوسيطة.

الإصلاح المالي لا يكون بتقليص الأعداد عشوائياً

المفارقة أنّ لبنان يعاني في الوقت نفسه من فائض وظيفي في بعض المواقع ونقص حاد في الكفاءات في مواقع أخرى. وقد لاحظ صندوق النقد أنّ البيانات المنشورة الموثوقة حول العاملين في الدولة ظلت محدودة، ودعا إلى تحديث تعداد الخدمة المدنية وإجراء مراجعات وظيفية وإصلاح هيكل الأجور. اكتشفالفعاليات العربية

كما أنّ نظام التعويضات نفسه أصبح مجزأً بفعل المعالجات الاستثنائية التي أعقبت الأزمة، بما يؤثر في قدرة الدولة على تقديم الخدمات واستقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها. لذلك قد تحتاج الدولة إلى موظفين أقل في المعاملات الورقية، لكنها تحتاج إلى المزيد من القضاة والمراقبين وخبراء المعلوماتية والأمن السيبراني وتحليل البيانات والضرائب والسياسات العامة.

نحو «قانون إعادة بناء الإدارة العامة»

قد يكون الإصلاح الأجدى إصدار قانون شامل لإعادة بناء الإدارة، يقوم على خمسة محاور: إجراء تعداد رقمي إلزامي لجميع العاملين في القطاع العام، مراجعة وظيفة كل وزارة ومؤسسة ومجلس وصندوق، دمج أو إلغاء الأجهزة المتداخلة أو التي انتفت أسباب وجودها، إنشاء منصة حكومية رقمية موحّدة وتبادل إلزامي للبيانات بين الإدارات، وإخضاع كل مؤسسة عامة لمؤشرات أداء ومحاسبة مالية وإدارية دورية.

ويضاف إلى ذلك مبدأ بالغ الأهمية، هو مراجعة دورية إلزامية للمؤسسات العامة. فبدلاً من أن يولد الجهاز الإداري ليعيش إلى الأبد، يخضع كل عدد محدد من السنوات لمراجعة تثبت استمرار الحاجة إليه.

تشذيب الدولة لا إضعافها

الإصلاح المطلوب ليس حرباً على الموظف العام، ولا خصخصة مقنّعة للدولة، ولا مجرد استجابة لشروط مالية خارجية. إنّه إعادة تعريف للعقد بين المواطن والإدارة. الدولة الحديثة ليست التي توظف أكثر، بل التي تحكم أفضل. وهي لا تحتاج إلى امتلاك كل مؤسسة وإدارة كل نشاط وتوقيع كل معاملة، لكنها تحتاج بشدة إلى قضاء فاعل، وأمن، ورقابة، وتعليم، وحماية اجتماعية، وتنظيم اقتصادي، وإدارة مالية، وبنية رقمية موثوقة.

لذلك ينبغي قلب السؤال المطروح منذ سنوات. بدلاً من أن نسأل: كم موظفاً يجب أن نصرف؟ علينا أن نسأل أولاً: أي دولة نريد؟ ما الوظائف التي يجب أن تقوم بها؟ وأي مؤسسات وموارد بشرية تحتاج فعلاً للقيام بها؟ عند الإجابة عن هذه الأسئلة يصبح تقليص القطاع العام نتيجة طبيعية لإصلاح الدولة، لا غاية قائمة بذاتها.

بواسطة
المحامي ميشال فلّاح
المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى