الرياض للحوثي: فتحتَ بابًا لا تحتمله (نداء الوطن 9 أيلول)

مع تفاقم الأزمات الاقتصادية التي تزلزل أركان النظام الإيراني من جرّاء عملية “المنبوذ الاقتصادي” والحصار البحري الأميركي، وفي ظلّ تراجع قدرة “الحرس الثوري” على عرقلة الملاحة في مضيق هرمز بسبب الضربات الأميركية، باتت طهران مضطرة إلى لعب آخر أوراقها المتبقية، والمتمثلة في ميليشيا الحوثي اليمنية. بالفعل، بدأ الحوثيون هجومًا واسع النطاق ضدّ قوات الحكومة الشرعية الأسبوع الماضي بهدف توسيع رقعة سيطرتهم إلى المناطق المتخامة لمضيق باب المندب. لكن الهجوم الحوثي اصطدم بمقاومة شرسة من قوات الحكومة، التي لم تصدّ محاولات التقدّم الحوثية حتى الآن فحسب، بل تمكّنت أيضًا من تحقيق مكاسب ميدانية في جبهات الجوف والبيضاء وتعز والحُديدة.
انطلاقًا من ذلك، قرّر الحوثيون اللجوء إلى هجمات إرهابية يائسة استهدفت أعيان مدنية واقتصادية في مدن أبها، وخميس مشيط، وجازان، ونجران في السعودية أمس. وأفاد “تحالف دعم الشرعية في اليمن” بأن هجمات الحوثيين نتج عنها إصابة 73 من المدنيين، بينهم نساء وأطفال. وأوضح مصدر في وزارة الطاقة السعودية لوكالة “واس” أن الهجمات الحوثية استهدفت منشآت ومرافق قطاع الطاقة في المنطقة الجنوبية، ما أدّى إلى نشوب حرائق في عدد من المواقع، فضلًا عن توقف موَقت لبعض العمليات التشغيلية.
وبعدما توعّد “تحالف دعم الشرعية” بالردّ على مصادر التهديد وتحييد خطرها، زعم الحوثيون أن السعودية ردّت بسلسلة من الضربات استهدفت محافظتي تعز ومأرب. لاحقًا، تمّ إطلاق إنذار من المنصة الوطنية السعودية للإنذار المبكر في حالات الطوارئ في كلّ من جازان، وأبها، ونجران، ثم أُعلن زوال الخطر في تلك المناطق بعد فترة وجيزة. وقُتل أكثر من 500 شخص منذ أن أطلق الحوثيون هجومهم الأسبوع الماضي، وفقًا لوكالة “فرانس برس”، التي أفادت بمقتل 216 عنصرًا من القوات الحكومية و278 إرهابيًا حوثيًا، بالإضافة إلى 29 مدنيًا على الأقلّ.
وأكد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو، أن بلاده لن تتردّد في الدفاع عن نفسها في مواجهة أي اعتداء، وستستخدم كافة الوسائل المتاحة لحماية مصالحها، مشدّدًا على أن “الحوثي فتح على نفسه بابًا لا يحتمله”. وأوضح أن الحوثيين يلجأون إلى العنف كلّما وجدوا أنفسهم في موقف صعب، ويحاولون تصدير مشكلاتهم إلى الحكومة اليمنية والسعودية، ويصرّون على فرض مزيد من المعاناة على الشعب اليمني. في الوقت عينه، أكد بن فرحان أن الطريق أمام الدبلوماسية للتعامل مع الحوثيين لا يزال مفتوحًا، مشيرًا إلى أن الحكومة الشرعية أتاحت فرصة للتفاوض مع الحوثيين بمسؤولية، إلّا أن الميليشيا تفضّل تقديم مصالحها الشخصية والضيّقة على مصالح اليمن وشعبه.
ووصف لافروف الهجمات الحوثية على الأعيان المدنية في السعودية بأنها “غير مقبولة”، محذّرًا من أنها تعرّض حياة المدنيين والمنشآت المدنية للخطر، وتلحق أضرارًا بالاقتصاد العالمي. واعتبر أن الهجمات “تأتي بنتائج عكسية”، مؤكدًا دعم روسيا الكامل لمساعي السعودية إلى مواصلة تنفيذ خريطة الطريق للتسوية السلمية في اليمن. وشدّد على رفض محاولة تسوية القضايا بالوسائل العسكرية، مؤكدًا ضرورة ضمان حرّية الملاحة وأمنها في المياه الدولية، بما فيها المياه المتاخمة للسواحل اليمنية. وتوالت الإدانات العربية والدولية والأممية للهجمات الحوثية على السعودية. وأشار وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى أن إيران تقف وراء الأحداث في اليمن، مؤكدًا أن بلاده تربطها علاقات عسكرية دفاعية متينة مع السعودية وهي تراقب عن كثب التطورات في اليمن.
أما في ما يتعلّق بالصراع الأميركي – الإيراني المستمرّ، فتوعّدت القيادة العسكرية المشتركة الإيرانية بأنها ستستهدف المصالح الأميركية في المنطقة بشدّة إذا تعرّضت السفن الإيرانية لهجوم. لاحقًا، أفادت وسائل إعلام إيرانية بسماع دوي انفجارات في جزيرة خارك ومدينة جاسك الإيرانيتين، فيما أوضحت صحيفة “جيروزاليم بوست” أن سبب الانفجارات يعود إلى ضربات أميركية على ناقلات نفط إيرانية. كما ذكرت وكالة “تسنيم” أن هجومًا صاروخيًا أميركيًا استهدف ناقلة إيرانية بالقرب من منطقة الرسو في جزيرة خارك. وبينما زعم “الحرس الثوري” مصادرة غواصة أميركية غير مأهولة في مضيق هرمز، أفاد مسؤول أميركي لوكالة “رويترز” بأن الغواصة تعرّضت منذ أكثر من يوم لعطل فني وكانت من طراز قديم ولم تكن تحمل أي معدات سرّية للموجات الصوتية أو رادارًا.
في الأثناء، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن “تقدّمًا كبيرًا” تحقّق في المحادثات مع عُمان بشأن إدارة هرمز، الأمر الذي يردّده الإيرانيون منذ أسابيع من دون أن تسفر محادثاتهم مع مسقط عن اتفاق حتى الآن. وكشفت كوريا الجنوبية أنها أرسلت فريقًا لتقصي الحقائق لتقييم الوضع في هرمز، مؤكدة أنها لم تتخذ أي قرار بشأن احتمال نشر قوات فيه. وكانت طهران قد حذّرت من أن أي مساهمة عسكرية كورية جنوبية في النزاع ستكون لها “عواقب خطرة”.
وفي إطار عملية “المنبوذ الاقتصادي” ضدّ إيران، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على قطاع الطيران الإيراني بأكمله، شملت 36 هدفًا تدعم هذا القطاع الذي يستخدمه النظام لنقل الأسلحة والأفراد والشحنات غير المشروعة. كما استهدفت الوزارة شركات واجهة سرّية، ووسطاء أجانب، ومسارات إعادة شحن مضلّلة تعتمد عليها إيران للحصول على طائرات أميركية المنشأ وتكنولوجيا حسّاسة. وأصدرت شبكة مكافحة الجرائم المالية التابعة للوزارة تنبيهًا طلبت فيه من المؤسسات المالية الإبلاغ عن شبكات المشتريات التي تدعم قطاع الطيران الإيراني.
توازيًا، أصدرت بريطانيا تشريعًا لتشديد العقوبات على إيران وزيادة القيود التجارية وصلاحيات استهداف سفن، في إطار ما وصفته بجهود أوسع لكبح برنامج طهران النووي والحدّ من أنشطتها العدائية الأخرى. وأوضحت لندن أن هذه الإجراءات ستحدّ من وصول إيران إلى النظام المالي البريطاني، وستوسّع نطاق الحظر التجاري ليشمل سلعًا وتقنيات وخدمات أخرى، وستمنع الطائرات الإيرانية من الهبوط في بريطانيا إلّا في حالات استثنائية.



