أخبار لبنانابرز الاخبارمقالات خاصة

تقرير – بعد تحرّك هولندا لإستعادة احتياطاتها بسبب المخاطر الجيوسياسية… ماذا عن 115 طنًا من الذهب اللبناني في أميركا؟

في وقت أعاد فيه البنك المركزي الهولندي توزيع جزء من احتياطياته الذهبية المخزنة في أميركا الشمالية، مبررًا الخطوة بتزايد الاضطرابات الجيوسياسية والحاجة إلى تعزيز الجاهزية في حالات الأزمات، يفتح هذا التطور بابًا لسؤال لبناني بالغ الأهمية: ماذا عن احتياطي الذهب اللبناني الموجود في الولايات المتحدة؟

فلبنان يمتلك نحو 9.22 ملايين أونصة تروي من الذهب، أي ما يقارب 286 طنًا، وفق بيانات مصرف لبنان. لكن هذه الكمية ليست موجودة بالكامل داخل لبنان.

وبحسب رسالة وجهها حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة إلى النائب ملحم خلف في حزيران 2022، يبلغ الذهب المحفوظ داخل خزائن مصرف لبنان نحو 5.515 ملايين أونصة، فيما توجد نحو 3.708 ملايين أونصة في الولايات المتحدة، أي ما يعادل نحو 40.2% من إجمالي احتياطي الذهب اللبناني.

وبتحويل الكمية الموجودة في الولايات المتحدة إلى الوزن، فهي توازي نحو 115.3 طنًا من الذهب.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية إضافية اليوم، بعد القرار الذي اتخذه البنك المركزي الهولندي بنقل نحو 86 طنًا من احتياطياته الموجودة في نيويورك وأوتاوا. فقد أوضح البنك أن الخطوة جاءت «في ضوء تزايد الاضطرابات الجيوسياسية»، بهدف تحسين القدرة على استخدام الاحتياطيات بسرعة خلال الأزمات وتنويع مواقع التخزين جغرافيًا.

وبعد عملية إعادة التوزيع، خفّضت هولندا حصة الذهب المخزن في نيويورك من 31.3% إلى 18.5%، فيما رفعت الحصة الموجودة في لندن إلى 32.1%. ولفت البنك الهولندي إلى أن الذهب الموجود في نيويورك وأوتاوا أقل سرعة في الاستخدام المباشر خلال الأزمات مقارنة بالذهب المخزن في لندن.

وهنا يبرز السؤال بالنسبة إلى لبنان: هل لا يزال الاحتفاظ بنحو 40% من الذهب اللبناني في الولايات المتحدة الخيار الأنسب في ظل التحولات الجيوسياسية الحالية؟ وهل هناك حاجة إلى إعادة تقييم توزيع هذا الاحتياطي بين الداخل والخارج؟

أين يوجد الذهب اللبناني في أميركا؟

المعلومة المؤكدة التي أعلنها مصرف لبنان في 2022 هي وجود 3.708 ملايين أونصة في الولايات المتحدة.
وتشير تقارير صحافية لبنانية إلى أن هذه الكمية محفوظة في Fort Knox بولاية كنتاكي. إلا أن هذه النقطة تحتاج إلى توثيق رسمي أحدث، إذ إن رسالة مصرف لبنان التي كُشف عنها آنذاك تحدثت عن وجود الذهب في الولايات المتحدة، فيما نُسب تحديد Fort Knox في عدد من التقارير إلى مصادر ومعلومات تاريخية.

لذلك، صحافيًا، الأدق حاليًا القول: نحو 115 طنًا من الذهب اللبناني موجودة في الولايات المتحدة، من دون الجزم بموقع الخزنة إلى حين الحصول على توضيح مباشر من مصرف لبنان.

لماذا يوجد جزء من ذهب لبنان أصلًا في الولايات المتحدة؟

تعود قصة تكوين احتياطي الذهب اللبناني إلى عقود طويلة. ففي أواخر الأربعينيات والخمسينيات بدأ لبنان بتعزيز الغطاء الذهبي لليرة، في إطار النظام النقدي العالمي آنذاك وتثبيت الثقة بالعملة.

وتشير الدراسات التاريخية إلى أن لبنان اشترى الذهب من أسواق عدة، بينها الولايات المتحدة وسويسرا وبريطانيا والسوق اللبنانية. وفي إحدى الحالات عام 1961، استخدم لبنان مساعدة أميركية بقيمة 10 ملايين دولار لشراء ذهب من الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.

وبالتالي، فإن وجود الذهب في الخارج لم يكن بالضرورة نتيجة نقل حديث من لبنان إلى أميركا، بل يرتبط أيضًا بتاريخ شراء الذهب وإدارة الاحتياطيات الدولية خلال تلك المرحلة.

هل يستطيع مصرف لبنان إعادة الذهب إلى لبنان؟

هنا تظهر المسألة القانونية.

فالقانون رقم 42 الصادر في 24 أيلول 1986 ينص على منع التصرف بالموجودات الذهبية لدى مصرف لبنان أو لحسابه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مهما كانت طبيعة التصرف، إلا بنص تشريعي يصدر عن مجلس النواب.
لكن هذا يفتح سؤالًا قانونيًا دقيقًا لم يُحسم بمجرد قراءة النص: هل نقل الذهب من مكان تخزين في الولايات المتحدة إلى خزائن مصرف لبنان داخل لبنان يُعتبر «تصرفًا» بالذهب يستوجب قانونًا من مجلس النواب، أم أنه مجرد تغيير لمكان الحفظ مع بقاء الملكية والكمية على حالهما؟

الجواب يحتاج إلى تفسير قانوني رسمي، خصوصًا أن النموذج الهولندي نفسه يُظهر أن إعادة توزيع الذهب يمكن أن تتم بأكثر من طريقة؛ فهولندا لم تنقل كامل الكمية ماديًا، بل باعت نحو 59 طنًا في نيويورك واشترت كمية موازية في لندن، فيما جرى نقل أكثر من 27 طنًا فعليًا ضمن عملية إعادة التنظيم.

وبالنسبة إلى لبنان، فإن أسلوبًا يتضمن بيع الذهب وشراءه مجددًا قد يصطدم بصورة أوضح بقانون 42/1986، بينما يبقى السؤال القانوني حول النقل المادي المباشر بحاجة إلى توضيح.
كم تبلغ قيمة الذهب اللبناني الموجود في أميركا؟

استنادًا إلى كمية تبلغ نحو 3.708 ملايين أونصة، ومع سعر ذهب يقارب 4429 دولارًا للأونصة كما ورد في التداولات المشار إليها بالتزامن مع الخبر الهولندي، تصل القيمة التقريبية للذهب اللبناني الموجود في الولايات المتحدة إلى نحو 16.4 مليار دولار.

أما إجمالي احتياطي لبنان البالغ نحو 9.22 ملايين أونصة فتقترب قيمته عند هذا السعر من 40.9 مليار دولار.
وتظهر أحدث بيانات مصرف لبنان المتاحة أن قيمة كامل الذهب في ميزانيته بلغت نحو 42.7 مليار دولار، نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار الذهب العالمية.

وبذلك، لا يتعلق السؤال بمكان تخزين أصل مالي عادي، بل بنحو 40% من أحد أكبر الأصول السيادية التي لا تزال بحوزة لبنان.

وفي ظل اتجاه بعض البنوك المركزية إلى إعادة تقييم مواقع تخزين ذهبها، تبرز أمام لبنان مجموعة أسئلة أساسية: هل ينبغي إعادة النظر بتوزيع الاحتياطي بين لبنان والخارج؟ ما المخاطر التي يغطيها التخزين في الولايات المتحدة وما المخاطر التي قد يخلقها؟ هل وجود قسم من الذهب خارج البلاد يزيد حمايته أم يقلل القدرة على الوصول إليه في الأزمات؟ وهل يحتاج لبنان إلى استراتيجية جديدة لإدارة مواقع تخزين احتياطيه الذهبي من دون المساس به أو استخدامه؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى