من الملتقى اللبناني–الإماراتي… صرّاف: لبنان لا يفتقر إلى الفرص بل إلى مشاريع جاهزة للاستثمار و275 مشروع بنية تحتية تنتظر التفعيل

شارك رئيس اتحاد المستثمرين اللبنانيين جاك حنّا صرّاف في إحدى جلسات الملتقى الاقتصادي اللبناني–الإماراتي الذي عُقد أمس في Seaside Arena في بيروت، بمشاركة وفد اقتصادي إماراتي رفيع المستوى وحشد من رجال الأعمال والمستثمرين وممثلي القطاع الخاص في البلدين.
واستهل صرّاف مداخلته بالتشديد على أهمية إعادة تفعيل دور المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان «إيدال»، لافتًا إلى أنه واكب هذه المؤسسة منذ تأسيسها وعاش تجربتها في عهد الرئيس الشهيد رفيق الحريري، حين كانت تشكل إحدى الأدوات الأساسية لمواكبة المستثمرين وتسهيل أعمالهم.

ودعا إلى إعطاء هذه المؤسسة الاهتمام والدعم اللازمين وإعادة تفعيل دورها بالتعاون مع الهيئات الاقتصادية، والعمل سريعًا على تأمين الإطار الذي يسمح لها بأداء مهمتها، مشددًا بصورة خاصة على ضرورة تفعيل مفهوم «الشباك الواحد» للمستثمر.
وقال صرّاف إنه يتحدث في هذا المجال من موقعه كمستثمر في لبنان، متسائلًا كيف يمكن لرئيس اتحاد المستثمرين اللبنانيين أن يشجع على الاستثمار في البلاد في وقت لا يزال المستثمر يفتقد الشباك الواحد الذي يفترض أن يختصر عليه الإجراءات ويحظى بالدعم والصلاحيات اللازمة.
وأشار إلى أن «إيدال» كانت في الأساس مرتبطة مباشرة برئيس الحكومة، مستذكرًا تجربة عهد الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومعتبرًا أن المطلوب اليوم الابتعاد عن تضارب الصلاحيات والتجاذبات بين الإدارات والوزارات، بحيث تكون هناك جهة واضحة يستطيع المستثمر اللجوء إليها.

ولفت إلى أن لقاءاته مع عدد من المستثمرين أظهرت بوضوح حجم هذه المشكلة، إذ لا يزال المستثمر مضطرًا إلى مراجعة أكثر من وزارة وإدارة لإنجاز مشروعه، بدل وجود جهة واحدة تتولى مواكبته وتسهيل معاملاته.
وأكد صرّاف أنه لمس هذه المعاناة مباشرة خلال لقاءات مع مستثمرين، مشيرًا إلى أنه اضطر في بعض الحالات إلى التواصل شخصيًا مع الجهات المعنية لمحاولة مساعدة مستثمر على تجاوز العقبات الإدارية، معتبرًا أن هذه الآلية لا يمكن أن تشكل بيئة طبيعية لجذب الاستثمارات.
من الفرص إلى المشاريع
وانتقل صرّاف إلى الحديث عن العلاقات اللبنانية–الإماراتية، مؤكدًا أن الحوار الاقتصادي والمشاريع بين لبنان ودولة الإمارات العربية المتحدة ليس جديداً، وأن المطلوب اليوم أن يشكل الملتقى بداية فعلية لتحويل الفرص إلى مشاريع.
وشدد على أن المرحلة الحالية لا تحتمل الاكتفاء بالكلام والوعود، بل تحتاج إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، خصوصًا في ظل أهمية الوفد الإماراتي الذي زار لبنان، سواء من حيث حجمه أو نوعية رجال الأعمال والمستثمرين المشاركين فيه.

واعتبر أن لبنان لم يشهد منذ سنوات طويلة وفدًا بهذه النوعية من رجال الأعمال والمستثمرين وبهذه الرؤية الاستثمارية، مثنيًا على الجهود التي بُذلت لتنظيم الملتقى واستقطاب هذه المشاركة الإماراتية الواسعة.
اتحاد المستثمرين اللبنانيين
وأوضح صرّاف أنه من هذه الحاجة انطلقت فكرة اتحاد المستثمرين اللبنانيين – Global Lebanese Investors (GLI)، انطلاقًا من قناعة بضرورة تنظيم طاقات المستثمرين اللبنانيين والاستفادة من نجاحاتهم داخل لبنان وفي مختلف أنحاء العالم.
وأشار إلى أن الاتحاد يضم نخبة من رجال وسيدات الأعمال والمستثمرين اللبنانيين في لبنان والاغتراب، وأن الهدف هو تحويل نجاح اللبنانيين المنتشرين حول العالم إلى قوة اقتصادية منظمة تستثمر في لبنان وتعيد ربطه بالأسواق الاستثمارية.

ولفت إلى أن رؤية الاتحاد لا تتوقف عند حدود لبنان، موضحًا أنه في حال وجود فرصة مناسبة في سوق خارجية، يمكن للمستثمر اللبناني وشركائه الانطلاق معًا للاستثمار فيها، بما يحول الانتشار اللبناني إلى شبكة اقتصادية واستثمارية فعلية.
وقال صرّاف: «نحن مسهّلون للشراكة الاستثمارية – Facilitators»، موضحًا أن الاتحاد يطمح إلى أن يكون منصة ثقة تعمل على اكتشاف الفرص ومساعدة أصحاب المشاريع على عرضها وربطهم بالمستثمر المناسب.
وأضاف أن المشروع الذي يحتاج إلى مستثمر في قطاع محدد يمكن ربطه بأصحاب الخبرة ورؤوس الأموال المناسبة، سواء في الزراعة أو الصناعة أو غيرهما من القطاعات، وسواء كان المستثمر محليًا أو دوليًا، كما يمكن المساعدة في الوصول إلى الجهات التمويلية عندما يحتاج المشروع إلى رأس المال.
رؤية لبنانية–إماراتية منذ 2018
وكشف صرّاف أن الاتحاد كان قد وضع أول رؤية مشتركة لبنانية–إماراتية في مذكرة تفاهم وُقّعت عام 2018 مع اتحاد المستثمرين الإماراتيين، مشيرًا إلى أن المذكرة نصت على بناء شراكة منتجة ومستدامة بين الجانبين.
وأوضح أن الظروف والأزمات المتلاحقة التي مر بها لبنان حالت دون تنفيذ هذه الرؤية بالشكل المطلوب، معتبرًا أن المرحلة الحالية تتيح فرصة لإعادة إحيائها والبناء عليها.

«الفكرة وحدها ليست مشروعًا»
وشدد صرّاف على أن المشكلة الأساسية في لبنان ليست غياب الفرص، قائلًا: «لبنان لا يفتقر إلى فرص استثمارية، لبنان يفتقر إلى مشاريع جاهزة للاستثمار».
وأضاف: «الفكرة وحدها ليست مشروعًا، والوعد ليس عقدًا»، معتبرًا أن الشراكة التي يُراد بناؤها مع المستثمرين الإماراتيين يجب أن تكون شراكة موثوقة قائمة على مشاريع مدروسة وقابلة للتنفيذ.
وأوضح أن الجانب الإماراتي عرض خلال الملتقى بوضوح ما يحتاج إليه المستثمر، وكذلك ما هو مطلوب من الجانب اللبناني لإنجاح الشراكات، مشددًا على ضرورة الانتقال من تشخيص الفرص إلى إعداد مشاريع متكاملة يمكن عرضها على المستثمرين.
ولفت في هذا السياق إلى أن اتحاد المستثمرين اللبنانيين عمل على تجهيز محفظة مشاريع للقطاع الخاص تشمل عددًا من القطاعات، مؤكدًا أن الأمر لا يتعلق بأفكار نظرية، وإنما بمشاريع جرى العمل عليها ودراستها انطلاقًا من المعرفة الفعلية بالسوق.
وقال إن أعضاء الاتحاد هم «أولاد السوق»، ويعرفون السوق اللبنانية كما يعرفون الأسواق الخليجية والعربية، ما يسمح ببناء شراكات على أساس معرفة عملية بحاجات المستثمرين والفرص المتاحة.

تكامل لبناني–إماراتي
ورأى صرّاف أن دولة الإمارات تشكل شريكًا مكمّلًا للبنان، إذ تمتلك الأسواق والخبرة والإمكانات والقدرة على تحويل الرؤية إلى إنجاز، فيما يمتلك لبنان الطاقات البشرية والروح المبادرة وقطاعًا خاصًا مرنًا وانتشارًا عالميًا واسعًا.
وأكد أنه عند جمع هذه القدرات، لن تكون النتيجة مجرد مشاريع داخل لبنان، بل يمكن بناء شراكات لبنانية–إماراتية تنطلق من البلدين باتجاه المنطقة والعالم.
وأشار إلى وجود تجارب فعلية لشراكات لبنانية–إماراتية في الأسواق الأفريقية، كما يمكن البناء على التكامل نفسه للدخول إلى أسواق أخرى بينها العراق.
وأوضح أن المستثمر ورجل الأعمال اللبناني يتمتعان بالجرأة والقدرة على الدخول إلى أسواق مختلفة، فيما يتمتع الشريك الإماراتي بخبرات وإمكانات وعلاقات مع أسواق وعملاء دوليين، معتبرًا أن الجمع بين هذه الميزات يفتح مجالًا واسعًا أمام شراكات تتجاوز السوقين اللبنانية والإماراتية.
275 مشروعًا في البنية التحتية
وفي ما يتعلق بالقطاع العام، كشف صرّاف عن وجود لائحة من المشاريع التي جرى العمل عليها خلال عامي 2018 و2019، تضم نحو 275 مشروعًا في البنية التحتية.
وأشار إلى أن هذه المشاريع كانت مطروحة ضمن برامج تمويل بمليارات الدولارات، وأن عددًا كبيرًا منها دُرس سابقًا وباتت المعلومات المتعلقة به متوافرة.
ودعا إلى العودة إلى هذه اللائحة واختيار نحو 10 مشاريع ذات أولوية، ثم دراسة المجالات التي يمكن أن يتحقق فيها التكامل بين القطاعين اللبناني والإماراتي للعمل عليها وتحويلها إلى استثمارات فعلية.

وأكد أن المعلومات والتفاصيل المتعلقة بهذه المشاريع متوافرة ويمكن وضعها في تصرف الجانب الإماراتي والمستثمرين الراغبين في الاطلاع عليها، داعيًا إلى التواصل مع الجهات الاقتصادية المعنية للحصول على المعلومات المتعلقة بالقطاعات والفرص والمشاريع المطروحة.
وشدد صرّاف على أن المطلوب بعد الملتقى هو الانتقال سريعًا إلى العمل، مؤكدًا استعداد اتحاد المستثمرين اللبنانيين للقيام بدوره في هذا المسار.
وختم بالتأكيد أن الاتحاد مستعد لأن يكون جزءًا من عملية الانتقال «من الفرصة إلى المشروع، ومن المشروع إلى الاستثمار، ومن الاستثمار إلى النمو وفرص العمل»، مشددًا على أن نجاح الملتقى اللبناني–الإماراتي لن يُقاس بما قيل خلاله، بل بما سيتم إنجازه بعده على أرض الواقع.



