ابرز الاخبارالاقتصاد العربي والدولي

أوكرانيا تضرب قلب النفط الروسي… إنتاج المصافي يتراجع والخام يجد طريقاً آخر

حين تصيب طائرة مسيّرة مصفاة روسية، تبدو النتيجة للوهلة الأولى واضحة: منشأة تحترق، وإنتاج يتوقف، وإيرادات تموّل الحرب تتراجع. لكن اقتصاد النفط أكثر تعقيداً. نجحت حملة القصف الأوكرانية في إرباك صناعة التكرير الروسية، من دون أن توقف صادرات الخام في صورة مستدامة. وفي بعض الأشهر، حدث العكس: خلّف تعطل المصافي كميات أكبر من النفط غير المكرر، فوجهتها موسكو إلى الخارج.

وسّعت أوكرانيا خلال عام 2026 نطاق ضرباتها، من المصافي القريبة من حدودها إلى منشآت تبعد أكثر من ألف و500 كيلومتر. وشملت الأهداف المعلنة مصافي في تتارستان وياروسلافل وإيلسكي وأورسك وموسكو وريازان وتوابسي ومنشآت في باشكورتوستان، إضافة إلى محطات ضخ وخزانات وموانئ على البحرين الأسود والبلطيق.

وفي آب/أغسطس، أعلنت القوات الأوكرانية استهداف مصفاة “تانيكو” ومحطة “تامان نفط غاز”، وأفادت باندلاع حرائق فيهما، من دون توافر تقييم مستقل كامل للأضرار. كذلك توقف تحميل النفط مؤقتاً في ميناء نوفوروسيسك عقب هجوم بمسيّرات، قبل استئناف العمليات. وتبلغ طاقة الميناء نحو 700 ألف برميل يومياً، ويُصدَّر منه النفط الروسي والكازاخي، ما يجعل تعطيله مؤثراً في تدفقات تتجاوز روسيا نفسها.

التكرير عند أدنى مستوى منذ عقدين

وقع الضرر الأشد في المصافي. تقدّر شركة “كبلر”، المتخصصة في بيانات السلع وتتبع الشحن، أن استهلاك المصافي الروسية من الخام انخفض إلى نحو 3.8 ملايين برميل يومياً في تموز/يوليو، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من عقدين. ومنذ آب 2025، طاولت الضربات 25 مصفاة على الأقل.

وبحلول منتصف تموز 2026، بلغ إجمالي طاقة المصافي الخاضعة للتوقف أو الصيانة أو المتأثرة بالهجمات نحو 4.3 ملايين برميل يومياً، أي قرابة 58 في المئة من طاقة التكرير الروسية. لكن ذلك لا يعني أن أكثر من نصف القطاع دُمِّر أو توقف تماماً؛ قدّرت “كبلر” الطاقة المعطلة فعلياً بما يتراوح بين 1.5 ومليوني برميل يومياً، فيما شمل الرقم الأكبر وحدات متوقفة جزئياً أو خاضعة للفحص والصيانة.

ولا تتساوى الأضرار. قد تستطيع روسيا إصلاح خزان أو خط أنابيب خلال فترة قصيرة، لكن إصابة وحدات معقدة، مثل التكسير الهيدروجيني والإصلاح الحفزي، قد تتطلب أشهراً. وتزيد العقوبات الدولية صعوبة المهمة، لأنها تقيّد الوصول إلى بعض المعدات والتقنيات الغربية المتخصصة.

الخام يرتفع والوقود يتراجع

المفارقة أن تعطل التكرير لا يعني تلقائياً انخفاض صادرات الخام. فإذا بقيت الحقول وخطوط الأنابيب والموانئ عاملة، يمكن للشركات تصدير النفط الذي لم تعد المصافي قادرة على استيعابه. وفق وكالة الطاقة الدولية، ازدادت صادرات الخام الروسية في حزيران/يونيو بمقدار 620 ألف برميل يومياً مقارنة بأيار/مايو، إلى 5.8 ملايين برميل. ووصلت الشحنات من موانئ بريمورسك وأوست لوغا ونوفوروسيسك إلى قرابة ثلاثة ملايين برميل يومياً. وفي المقابل، انخفضت صادرات المنتجات النفطية 230 ألف برميل يومياً، إلى 1.91 مليون برميل.

واتسعت الفجوة في تموز، إذ قدّرت “كبلر” متوسط صادرات المنتجات المكررة، حتى تاريخ إعداد بياناتها خلال الشهر، بنحو 1.2 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ2.3 مليونين قبل سنة. وفي الوقت نفسه، دارت صادرات الخام حول أربعة ملايين برميل يومياً. لكن بيع الخام بدلاً من الديزل والبنزين ووقود الطائرات لا يعوض الخسارة كاملة. فالتكرير يضيف قيمة إلى البرميل ويولّد وظائف وأرباحاً، بينما يُباع خام “الأورال” عادة في مقابل حسوم، ويتطلب نقله إلى آسيا رحلات أطول وخدمات شحن وتأمين أكثر تكلفة، ولاسيما في ظل العقوبات.

الأزمة تصل إلى محطات الوقود

ظهر الأثر الأكثر مباشرة داخل روسيا. تزامن تراجع إنتاج البنزين مع الطلب الصيفي والصيانة الدورية، ما أدى إلى نقص الوقود وعودة القيود على المبيعات في مناطق عدة، بينها موسكو وضواحيها. وانخفضت مبيعات البنزين عبر بورصة سان بطرسبورغ بنحو 20 في المئة منذ مطلع آب/أغسطس.

وردّت الحكومة بحظر صادرات بعض أنواع الوقود أو تقييدها، وتخفيف بعض مواصفات الجودة، وزيادة الإمدادات من بيلاروسيا والبدء باستيراد كميات للمساعدة في استقرار السوق. لكن استيراد الوقود مكلف لبلد بُنِيت بنيته التحتية للتصدير لا للاستيراد. كذلك تصب زيادة الأسعار في النقل والزراعة والسلع، فتضيف ضغطاً تضخمياً وتُصعِّب خفض معدلات الفائدة.

تكلفة إضافية على اقتصاد الحرب

انخفضت إيرادات الميزانية الروسية من النفط والغاز 24 في المئة في 2025، إلى 8.48 تريليونات روبل (108 مليارات دولار)، وهو أدنى مستوى منذ عام 2020. ويعود ذلك أساساً إلى أسعار النفط العالمية والحسوم المطبقة على خام “الأورال” وسعر صرف الروبل والعقوبات، لا إلى الضربات الأوكرانية وحدها.

وتستهدف ميزانية عام 2026 إيرادات نفطية وغازية بنحو 8.9 تريليونات روبل (113 مليار دولار). لكن العجز بلغ 5.73 تريليونات (76 مليار دولار) في النصف الأول، متجاوزاً الهدف السنوي الأصلي البالغ 3.79 تريليونات (48 مليار دولار)، قبل رفعه إلى نحو 4.83 تريليونات روبل (61 مليار دولار). وتضيف الهجمات إلى الضغوط القائمة تكلفة الإصلاح والحماية، وخسارة المنتجات الأعلى قيمة، ودعم سوق الوقود.

لم تتوقف ماكينة النفط الروسية. لا تزال موسكو قادرة على إصلاح المنشآت وتحويل الخام بين المصافي والموانئ. لكن إذا تزامن تعطيل المصافي مع ضرب خطوط الأنابيب والمرافئ بوتيرة تفوق سرعة الإصلاح، قد تمتلئ الخزانات وتضطر الشركات إلى خفض إنتاج الحقول. وحتى ذلك الحين، تخوض أوكرانيا حرب استنزاف: لا توقف النفط الروسي بضربة واحدة، بل تجعل استمرار تدفقه أصعب وأعلى تكلفة وأقل ربحاً.

بواسطة
عبد الرحمن أياس
المصدر
النفط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى