حبيب: الوساطة انتهت.. والقرض يُمنح وفق الشروط

منذ تولّيه رئاسة مجلس إدارة ومديرية مصرف الإسكان، عمل أنطوان حبيب على إدخال مقاربة جديدة إلى عمل المصرف، تقوم على تعزيز الشفافية والاعتماد على الآليات الإلكترونية في تقديم الطلبات، وتوسيع مصادر التمويل، وطرح منتجات إسكانية جديدة تلائم حاجات ذوي الدخل المحدود والمتوسط. وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة والاعتداءات الإسرائيلية التي طالت مناطق لبنانية عدة، يواصل المصرف دوره في تمويل السكن والترميم، فيما يطمح إلى إطلاق مشاريع جديدة، بينها الإيجار التملكي وقروض مخصصة للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة.
في هذا الحوار، يشرح حبيب الفروقات بين مصرف الإسكان والمؤسسة العامة للإسكان، ومصادر تمويل كل منهما، وآلية منح القروض، كما يتحدث عن التمويلات العربية التي حصل عليها المصرف، والمنصة الإلكترونية التي اعتمدها، ومشاريعه المستقبلية. فكان هذا اللقاء الخاص لموقع “هنا وطني”
ما الفرق بين مصرف الإسكان والمؤسسة العامة للإسكان؟
هناك فرق جوهري بين المؤسستين من الناحية القانونية والإدارية. فالمؤسسة العامة للإسكان هي من المؤسسات العامة التي تملكها الدولة، وتخضع للمرسوم 4517 الذي ينظم عمل المؤسسات العامة. ولديها وزير وصاية، وبالتالي فإن بعض قراراتها تحتاج إلى موافقة وزير الوصاية، ما يعني أنها لا تتمتع بالاستقلالية نفسها التي يتمتع بها مصرف الإسكان.
أما مصرف الإسكان، فهو مصرف تابع لجمعية المصارف، ومسجل على لائحة المصارف التي تحظى بالدعم، كما أنه مسجل في السجل التجاري. ولديه مجلس إدارة مستقل مؤلف من عشرة أشخاص، ثمانية منهم يمثلون القطاع الخاص، واثنان يمثلان وزير الشؤون الاجتماعية ووزير المالية، ولا يشارك ممثلا الوزيرين في انتخاب رئيس مجلس الإدارة أو أعضاء المجلس. قرارات مصرف الإسكان تنبع من مجلس الإدارة، فيما تُتخذ بعض القرارات الأخرى في الجمعية العمومية. وفي المقابل، فإن المستفيدين من المؤسستين هم بصورة أساسية من ذوي الدخل المحدود والمتوسط، وبالتالي فهناك تكامل في الدور، وليس تنافساً بين مصرف الإسكان والمؤسسة العامة للإسكان.
ماذا عن الإعفاءات التي يستفيد منها كل طرف؟
هناك إعفاءات مرتبطة بمصرف الإسكان، ومنها ما يتعلق بفك الرهن والطوابع، كما أن المؤسسة العامة للإسكان تتمتع أيضاً بإعفاءات من بعض الرسوم، ومنها التسجيل وفك الرهن والطوابع. لكن هناك مسألة أتمنى أن تحظى بالاهتمام، وهي رسم التسجيل العقاري. فالمقترض من مصرف الإسكان يتحمل هذا الرسم، في حين أن المؤسسة العامة للإسكان لديها إعفاءات في هذا المجال. أنا لا أطالب بإعفاء الأغنياء من الرسوم، بل أتحدث عن ذوي الدخل المحدود الذين نحاول مساعدتهم. وإذا كان من الصعب إلغاء الرسم، فمن الممكن على الأقل تخفيضه. فرسم التسجيل قد يصل إلى نحو ثلاثة آلاف دولار، ويمكن تخفيضه، مثلاً، إلى ألف دولار، أي من نحو 3.5 في المائة إلى 1 في المائة. وهذا يشكل مساعدة حقيقية للمواطن. وأتمنى من صديقي وزير المالية ياسين جابر أن يأخذ هذه المسألة بعين الاعتبار.
كيف يختلف نظام تمويل القروض بين المؤسستين؟
مصرف الإسكان يمّول القروض بصورة مباشرة، بينما المؤسسة العامة للإسكان تطلب من المصارف التجارية منح القروض من خلالها، وعلى المقترض أن يتقدم بطلب إلى المصرف التجاري بالتنسيق مع المؤسسة العامة. ومعظم القروض التي وصلت إلى المؤسسة العامة للإسكان ومن خلالها إلى المصارف التجارية كانت، في السابق، قروضاً مصدرها مصرف لبنان، الذي كان يحّول نسبة من الإحتياطي، ولم تكن هناك، بحسب ما أعرف، قروض من صناديق خارجية، بل كانت غالبية هذه القروض تأتي من مصرف لبنان. أما مصرف الإسكان، فقد استفاد في مناسبات عدة من تمويل الصناديق العربية. فمنذ عام 1995 حصل المصرف على تمويل من الصندوق العربي، كما حصل على قرض مشترك من الصندوق العربي وصندوق أبو ظبي بقيمة 50 مليون دولار. وفي عام 2012 حصل على قرض ثانٍ من الصندوق العربي بقيمة 110 ملايين دولار، وفي عام 2019 حصل على قرض ثالث جرى تجديده عام 2024 بقيمة 50 مليون دينار كويتي، أي ما يعادل نحو 165 مليون دولار. وهذا أحد الأمور التي تمّيز مصرف الإسكان، أي قدرته على الاقتراض من الخارج وبالعملات الصعبة. أما بالنسبة إلى قدرة المؤسسة العامة للإسكان على الاقتراض بالدولار أو بالعملات الأجنبية، فهذا سؤال تجيب عنه المؤسسة نفسها، لأنني لا أعرف ما إذا كان نظامها يسمح لها بالاقتراض بهذه الطريقة. كذلك، لا أعرف ما إذا كانت المؤسسة العامة للإسكان تمنح القروض بصورة مباشرة أم عبر المصارف، وهذه مسألة يجب طرحها على المهندس روني لحود.
هل يتمتع مصرف الإسكان بهامش من الاستقلالية في منح القروض؟
نعم. لدى مصرف الإسكان سلطة استنسابية ضمن الأطر القانونية تخّوله إعطاء القروض من خلال موافقات مجلس الإدارة والجمعية العمومية، وفقاً للنظام المعتمد والشروط المحددة. أما المؤسسة العامة للإسكان، فتمنح القروض من خلال المصارف التجارية.
ما قيمة القروض التي يقدمها مصرف الإسكان حالياً؟
في السابق، كانت قروض مصرف الإسكان تصل إلى 50 ألف دولار. وبعد الاعتداءات الإسرائيلية التي طالت الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع، رفعنا قيمة قرض شراء المسكن إلى 100 ألف دولار. وكانت الفائدة 6 في المائة، إلا أن مصرف لبنان أعفى مصرف الإسكان من ربع النقطة المئوية التي كان يقتطعها كرسم إداري لمنح الفائدة السيادية على الديون المأخوذة من البنوك العربية، فأصبحت الفائدة 5.75 في المائة. أما مدة القرض فتختلف بحسب الغاية منه. فقرض شراء المسكن يبلغ 100 ألف دولار لمدة 15 عاماً، مع فترة سماح تصل إلى 24 شهراً، بينما يصل قرض الترميم إلى 50 ألف دولار مع فترة سماح لمدة سنة. اعتمدتم منصة إلكترونية لتقديم الطلبات.
ما الهدف من هذه الخطوة؟
جميع الطلبات أصبحت تقدم من خلال المنصة الإلكترونية. وهذا الإجراء ساهم في الحد من التدخلات والوساطات والضغوط التي كانت تحصل في السابق. كانت تصلني أحياناً طلبات من بعض الفعاليات للتوسط للحصول على قرض لشخص معين، بل وصل الأمر في إحدى المرات إلى إعطائي بطاقة مكتوب عليها: «الرجاء إعطاء قرض لحامل هذه البطاقة». لهذا السبب اعتمدنا الـ Application Online والمنصة الإلكترونية، بحيث يتقدم المواطن بطلبه ويحصل على القرض إذا كان مستوفياً للشروط، من دون أي وساطة. وأؤكد أن اللجوء إلى الوساطة يضّر بطالب القرض نفسه. فالقروض تمنح على امتداد مساحة لبنان البالغة 10452 كيلومتراً مربعاً، ومن دون أي تمييز بين منطقة وطائفة أو جنس. ونحن نطّبق اليوم السريّة المصرفيّة وسريّة المعلومات، والأجوبة المتعلقة بطلب القرض تعطى مباشرة للمتقدم نفسه، وليس لأي جهة أخرى. لكن هناك حديثاً عن تدخلات ووساطات في عمل المصرف… هناك بطاقات صادرة عن مصرف الإسكان توضح كيفية الحصول على القروض، والمنصة الإلكترونية هي التي تتولى الإجابة عن أسئلة المتقدمين. ومن لديه أي اعتراض على طريقة عمل المصرف، يمكنه التقدم بشكوى إلى قسم حماية الزبائن. وحتى الآن، لم نتلقَّ أي شكوى من طالبي القروض بهذا الشأن. أما الحديث عن تدخلات ووساطات، فلا يتعدى في كثير من الأحيان كونه حديث «صالونات»، وهو يضّر بسمعة مصرف الإسكان أمام المصارف والصناديق العربية، بخاصةٍ أن التشهير بالمصرف غالباً ما يكون لأسباب خاصة وشخصية، لكنه لا يتوقف عند حدود المصرف، بل يصل إلى الصناديق العربية، وتكون له تداعيات سلبية على جميع اللبنانيين.
كم بلغت التمويلات التي وصلت إلى مصرف الإسكان مؤخراً؟
تمّ تحويل قروض إلى مصرف الإسكان بقيمة 92 مليون دولار خلال ستة أشهر، وهي الفترة التي كان لبنان يتعرض فيها للقصف الإسرائيلي. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الكويت كانت تحّول لنا الأموال في الوقت الذي كانت تتعرض فيه هي أيضاً للقصف، وهذا مؤشر مهّم جداً إلى الثقة التي يتمتع بها مصرف الإسكان. كما جاء وفد من الصندوق العربي للتحقق من الوضع الإداري والمالي للمصرف، ومن مستوى الشفافية فيه. والصندوق، الذي يضم 21 دولة عربية، وافق على منحنا 165 مليون دولار. وهذا بحد ذاته يؤكد أن المصرف يتمتع بالثقة. ولذلك أستغرب حملات التشهير به، وأسأل: ما هو البديل؟ ومن يقف وراء هذه الحملات لديه، في رأيي، أسباب شخصية أو منفعة خاصة.
هل انعكس نشاط مصرف الإسكان على السوق العقارية؟
بالتأكيد. القروض السكنية تخلق حركة اقتصادية، ومصرف الإسكان ساهم، ولو جزئياً، في تحريك سوق العقارات. لكنني أؤكد في الوقت عيته أن مصرف الإسكان لا يستطيع تغطية حاجات لبنان كله. ولذلك أتمنى أن تعطي الدولة اهتماماً أكبر للمؤسسة العامة للإسكان ولسائر المؤسسات التي تؤمن قروضاً سكنية. وأنا أملك ملء الثقة بالمؤسسة العامة للإسكان وبالمهندس روني لحود، الذي ضحّى بعمله في الخارج للمساعدة في لبنان. وعلى الدولة أن تدعمه وأن تؤمن له الموظفين والتمويل اللازم. مصرف الإسكان والمؤسسة العامة للإسكان يكّملان بعضهما البعض، ولديّ كل الإستعداد للتعاون معها ومع وزارة الشؤون الإجتماعية. كما أرحب بالمشروع الذي تقّدم به النائب سيمون أبي رميا، والذي يهدف إلى تسوية وإقفال القروض القائمة في المؤسسة العامة للإسكان.
ماذا عن اللبنانيين المغتربين؟
المغتربون اللبنانيون يستطيعون التقدّم بطلب للحصول على قرض من مصرف الإسكان، لكن الأوراق الأساسية والإجراءات المطلوبة يجب أن تُستكمل في لبنان. والآلية المعتمدة حالياً تقوم على أن يبحث المقترض أولاً عن المنزل الذي يستوفي شروط القرض، وعلى هذا الأساس يتقدم للحصول على التمويل. لا يمكن للمصرف أن يمنح شخصاً قرضاً بقيمة 100 ألف دولار وهو لم يجد المنزل الذي يريد شراءه بعد. ومن يريد أن «يخدم» الناس، فليخدمهم من جيبه الخاص، وليس من أموال مصرف الإسكان.
هل لديكم مشاريع جديدة خارج القروض التقليدية؟
أنا إنسان أحب أن أحلم وأن أتطور، ولذلك لم نكتفِ بالقروض الموجودة. خصصنا قروضاً بالليرة اللبنانية للترميم فقط، بقيمة ملياريّ ليرة، وبفائدة 7 في المائة، على أن تكون هذه الأموال من الموارد الخاصة لمصرف الإسكان، وليست من أموال الصناديق العربية كما حققت حلماً آخر، هو إطلاق مشروع «الإيجار التملكي». يقوم المشروع على شراء أرض بالليرة اللبنانية وتحويل قيمتها إلى دولار، ثم إنشاء مجمّع سكنيّ يضّم عدّة أبنيّة، على أن يتم بيع الوحدات السكنية أو اعتماد نظام الإيجار التملكيّ لمدّة تتراوح بين 10 و20 سنة وقد حصلت على موافقة مجلس الإدارة والجمعية العمومية ومصرف لبنان على المشروع. وهذا يعني أنني أعمل باستمرار ولا «أنام على أمجادي».
هناك من ينتقد المصرف لأنه حصل على قرض عربي واحد فقط. ماذا تقول؟
صحيح أن مصرف الإسكان نجح في الحصول على قرض بقيمة 165 مليون دولار، لكن هذا ليس مبلغاً قليلاً وبالتالي، نعم، يمكن القول إن المصرف نجح في الحصول على قرض واحد بهذه القيمة، ولكن المهم هو حجم التمويل وقدرة المصرف على استقطابه، وليس عدد القروض فقط. وأود أن أؤكد أن نجاح مصرف الإسكان لا يجب أن ينسب إلى أنطوان حبيب وحده. النجاح هو نجاح فريق العمل بأكمله. أنا أطّبق مبادئ القطاع الخاص الذي أتيت منه، وأعتقد أن هناك «ذهنية» معينة داخل المصرف تجعل كل موظف يشعر بأنه شريك في النجاح ومالك في مصرف الإسكان. كما أؤكد أنني لست عضواً في أي لجنة من لجان المصرف. ماذا تقول لمن ينتقد أداء مصرف الإسكان؟ أقول إن النقد مرحب به إذا كان مبنياً على معلومات دقيقة وموضوعية. أما التشهير لأسباب شخصية، فهو لا يضّر بمصرف الإسكان وحده، بل يضّر بسمعة لبنان وبعلاقة المصرف بالصناديق والمؤسسات العربية التي تمّول مشاريعه. نحن لا نستدين من الدولة، بل نحصل على التمويل من الخارج، وبالتالي فإن دعم الدولة لذوي الدخل المحدود يجب أن يكون من خلال تسهيل الإجراءات وتخفيف الأعباء عن المقترضين. وأتمنى أن يتّم التعامل مع مصرف الإسكان والمؤسسة العامة للإسكان باعتبارهما مؤسستين متكاملتين، لأن الهدف في النهاية واحد: مساعدة اللبنانيين، ولا سيما ذوي الدخل المحدود والمتوسط، على تأمين السكن.
ما المشروع الذي تطمحون إلى إطلاقه مستقبلاً؟
من الأحلام التي أعمل عليها أيضاً مشروع بالتعاون مع وزارة الشؤون الإجتماعية، يهدف إلى منح قروض لذوي الاحتياجات الخاصة تسمح لهم بإنشاء منازل مجهّزة ومصمّمة وفق احتياجاتهم. سنعمل على التواصل مع الوزارة والصناديق المعنية بهذا الموضوع، وقد لقي المشروع تجاوباً من الدكتورة حنين السيد، وهو حالياً قيد الدراسة. نحن نريد أن نستمر في تطوير مصرف الإسكان وإيجاد حلول جديدة، لأن حاجات اللبنانيين تتغّير، والمصرف يجب أن يتطور معها.
خمسون عاماً من مصرف الإسكان، ما يمكن قوله في هذه المناسبة؟
تأسس مصرف الإسكان في 15 كانون الثاني 1977، وبالتالي يكون قد أتمّ في 15 كانون الثاني 2026 خمسين عاماً على تأسيسه. هذه المسيرة الطويلة يجب أن تؤخذ في الإعتبار عند تقييم أداء المصرف، وعلى من ينتقده أن يراجع حساباته جيداً قبل إطلاق الأحكام لمجرد النقد.
مصرف الإسكان ليس مشروعاً لشخص، بل مؤسسة عمرها خمسون عاماً، ونجاحها اليوم هو نتيجة عمل مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية والموظفين وجميع من ساهم في استمرارها.
وأنا سأبقى أعمل وأحلم وأطوّر، لأن الهدف في النهاية هو أن يكون مصرف الإسكان أداة حقيقية لمساعدة اللبنانيين على امتلاك منزل وترميم مساكنهم وتأمين حياة أكثر استقراراً.



