آسيا في مواجهة اضطراب هرمز: بدائل مكلفة وأرقام تائهة في ضباب الحرب

النفط لم ينفد من آسيا، لكنه أصبح أبعد وأغلى وأكثر خطورة في نقله. هذا هو التحول الذي أحدثه اضطراب مضيق هرمز في حسابات الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، بعدما اضطرت إلى إعادة النظر في مصادر الخام ومسارات الشحن والمخزونات التي تستطيع استخدامها إذا طال أمد الأزمة.
حتى 16 آب/أغسطس 2026، لم يكن المضيق مغلقاً كلياً، إذ استمرت أعداد محدودة من السفن في عبوره. لكنه أصبح شبه معطل أمام الملاحة التجارية المعتادة بسبب المخاطر العسكرية، وارتفاع تكاليف التأمين، وإحجام مالكي الناقلات عن إرسال سفنهم إلى المنطقة.
انخفضت الحركة في أحد أيام آب إلى ست سفن فقط، مقارنة بنحو 130 إلى 140 سفينة يومياً قبل الحرب، وفق “رويترز”. لكن عدد السفن، على أهميته، لا يكشف وحده كمية النفط التي مرت فعلاً. توضح بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أهمية الممر. في النصف الأول من عام 2025، قبل الأزمة الحالية، عبر هرمز نحو 20.9 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية، بما يعادل قرابة 20 في المئة من الاستهلاك العالمي وربع تجارة النفط البحرية. ومر عبره نحو 11.4 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز الطبيعي المسال.
النفط لم ينفد من آسيا، لكنه أصبح أبعد وأغلى وأكثر خطورة في نقله. هذا هو التحول الذي أحدثه اضطراب مضيق هرمز في حسابات الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، بعدما اضطرت إلى إعادة النظر في مصادر الخام ومسارات الشحن والمخزونات التي تستطيع استخدامها إذا طال أمد الأزمة.
حتى 16 آب/أغسطس 2026، لم يكن المضيق مغلقاً كلياً، إذ استمرت أعداد محدودة من السفن في عبوره. لكنه أصبح شبه معطل أمام الملاحة التجارية المعتادة بسبب المخاطر العسكرية، وارتفاع تكاليف التأمين، وإحجام مالكي الناقلات عن إرسال سفنهم إلى المنطقة.
انخفضت الحركة في أحد أيام آب إلى ست سفن فقط، مقارنة بنحو 130 إلى 140 سفينة يومياً قبل الحرب، وفق “رويترز”. لكن عدد السفن، على أهميته، لا يكشف وحده كمية النفط التي مرت فعلاً. توضح بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أهمية الممر. في النصف الأول من عام 2025، قبل الأزمة الحالية، عبر هرمز نحو 20.9 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية، بما يعادل قرابة 20 في المئة من الاستهلاك العالمي وربع تجارة النفط البحرية. ومر عبره نحو 11.4 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز الطبيعي المسال.
الصين تستطيع الانتظار
تبدو الصين أقدر من غيرها على امتصاص الصدمة. لقد خفضت مشترياتها عندما ارتفعت الأسعار، وسحبت من مخزوناتها، وزادت اعتمادها على روسيا وموردين لا تحتاج شحناتهم إلى عبور هرمز. وهبطت وارداتها إلى 7.12 ملايين برميل يومياً في حزيران/يونيو، وهذا أدنى مستوى في نحو عقد من الزمن، قبل أن ترتفع إلى 8.41 ملايين في تموز/يوليو، لكنها بقيت أقل بنحو 24 في المئة من مستواها قبل سنة.
لا يعني ذلك أن الصين تقترب من نفاد النفط. تراوح تقديرات إجمالي مخزوناتها بين مليار و1.7 مليار برميل، ما يمنحها هامشاً واسعاً للمناورة. لكن هذه الأرقام ليست أرقاماً رسمية للاحتياطي الاستراتيجي، وقد تشمل مخزونات تجارية ونفطاً قيد النقل وكميات لا يمكن سحبها فوراً. واستفادت بكين من قدرتها على تأجيل الشراء عندما صعدت العقود الآجلة لخام “برنت” إلى ذروة بلغت 126.41 دولاراً للبرميل في 30 نيسان/أبريل. وبحلول 14 أغسطس تراجع السعر إلى نحو 88 دولاراً، تحت تأثير السحب من المخزونات وانخفاض الطلب وتوقعات تباطؤ الاقتصاد العالمي.
الهند تعيد رسم خريطة وارداتها
تبدو الهند أكثر انكشافاً لأنها تستورد ما يزيد على 90 في المئة من حاجتها النفطية. لكنها تملك مصافي مرنة قادرة على معالجة خامات متنوعة، واستخدمت هذه الميزة لتوسيع مشترياتها من روسيا والأميركيتين. في تموز، استحوذ الخام الروسي على نحو 51 في المئة من وارداتها، أو 2.47 مليون برميل يومياً. وفي المقابل، تراجعت حصة الشرق الأوسط خلال الفترة بين نيسان وتموز من 43 في المئة قبل سنة إلى نحو 30 في المئة، فيما زادت حصة أميركا اللاتينية أكثر من ثلاثة أضعاف.
ووصل الحذر إلى شروط النقل نفسها. طرحت مصفاتان حكوميتان مناقصات لشراء ما يصل إلى ستة ملايين برميل للتسليم في أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر، واشترطت إحداهما ألا تمر الشحنات عبر هرمز أو البحر الأحمر. وتفيد الحكومة بأنها أمّنت مخزونات وإمدادات متعاقداً عليها تكفي نحو 60 يوماً. لكن هذا الرقم لا يمثل الاحتياطي الاستراتيجي وحده، بل يشمل الخام والوقود الموجودين لدى المصافي والشحنات المتعاقد عليها مسبقاً.
وتبقى نقطة الضعف الهندية الأبرز في غاز الطهو والغاز الطبيعي المسال. كانت البلاد تعتمد على الشرق الأوسط في 90 في المئة من وارداتها من غاز الطهو، ولذلك رفعت إنتاجها المحلي وتعاقدت على كميات من الولايات المتحدة وروسيا وأستراليا. وفي الغاز المسال، أشارت شركة “بترونت” إلى أن 56 شحنة من ضمن عقودها مع قطر تأثرت بالتأخير أو عدم وضوح مواعيد التسليم. وبحث المشترون الهنود عن بدائل من الولايات المتحدة ونيجيريا وأنغولا.
اليابان تفتح خزائنها وكوريا الجنوبية تحجز النفط قبل وصوله
اليابان هي الأكثر اعتماداً على الخليج؛ جاء نحو 94 في المئة من وارداتها النفطية في عام 2025 من الشرق الأوسط. لكنها تملك أيضاً واحدة من أكبر مظلات الحماية في العالم. بدأت طوكيو في آذار/مارس إتاحة مخزونات على مراحل، من ضمن خطة تشمل ما يعادل نحو 50 يوماً من الاستهلاك. ومع ذلك، بقي لديها في حزيران مخزون رسمي يعادل نحو 201 يوم. واتجهت المصافي إلى الولايات المتحدة، ودفعت في بعض الصفقات علاوات تجاوزت 10 دولارات للبرميل. اليابان تستطيع الحصول على النفط، إذاً، لكن عبر رحلة أطول وتأمين أعلى كلفة وخامات تحتاج المصافي إلى التكيف معها.
أما سيول فاختارت التفاوض المباشر مع الدول المنتجة. أعلنت ترتيبات تشمل 273 مليون برميل عبر مسارات لا تعتمد على هرمز، إلى جانب 2.1 مليون طن من النافثا الضرورية لصناعة البتروكيميائيات. وتضمنت الترتيبات 50 مليون برميل من الخام السعودي للشحن عبر موانئ البحر الأحمر، و18 مليوناً من كازاخستان وخمسة ملايين من عُمان. وتعهدت الرياض بمنح الشركات الكورية أولوية في تخصيص ما يصل إلى 200 مليون برميل إضافي حتى نهاية العام. ما فعلته سيول يشبه حجز النفط قبل وصوله، لا تخزينه كله داخل البلاد. ولجأت كوريا أيضاً إلى الخام الأميركي، فدفعت إحدى مصافيها علاوة بين 13 و14 دولاراً للبرميل فوق معيار دبي. وفي الكهرباء، تستطيع تخفيف استهلاك الغاز عبر زيادة تشغيل المحطات النووية والفحم.
اشترت تايوان مليوني برميل من الخام الأميركي وكميات من غرب أفريقيا، بينما تستخدم سنغافورة مخزوناتها ومكانتها مركزاً للتكرير والتجارة. لكن باكستان وبنغلادش لا تملكان المرونة المالية نفسها. عندما تتنافس الدول على شحنات الغاز الفورية، لا تكون المشكلة في العثور على الغاز فقط، بل في القدرة على دفع ثمنه من دون استنزاف العملات الأجنبية أو رفع أسعار الكهرباء. وبحسب شركة “كبلر” للبحوث، ارتفعت واردات آسيا من الخام الأميركي إلى مستوى قياسي بلغ 2.35 مليون برميل يومياً في تموز. غير أن النفط البعيد يحتاج إلى رحلات أطول وعدد أكبر من الناقلات، ما يرفع كلفة النقل والتأمين.
أين الحقيقة بين الأرقام؟
تظهر ضبابية الأزمة في التباين الكبير بين تقديرات التدفقات. في 12 آب، قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن نحو تسعة ملايين برميل يومياً كانت تعبر هرمز، وإن إجمالي التدفقات الإقليمية بلغ نحو 15 مليوناً بعد إضافة الصادرات عبر الأنابيب والموانئ البديلة. في المقابل، قدرت “كبلر” و”إل إس إي جي” النفط العابر للمضيق بما بين 1.74 و6.98 ملايين برميل يومياً، وإجمالي صادرات المنطقة بما بين 9.33 و12.26 مليوناً.
قد يفسر الفجوة إطفاء بعض الناقلات نظام التعرف الآلي، ونقل الشحنات بين السفن في البحر، واحتمال احتساب كمية واحدة أكثر من مرة، كما أن ناقلة عملاقة قد تحمل مليوني برميل، فيما تكون سفينة أخرى فارغة. وخففت الاحتياطيات حدة الأزمة، إذ وافقت دول وكالة الطاقة الدولية في آذار على إتاحة 400 مليون برميل، في أكبر تحرك منسق في تاريخها. لكن المخزون يشتري الوقت ولا ينتج نفطاً جديداً.
لقد منعت آسيا حتى الآن تحول الاضطراب إلى نقص شامل، لكنها لم تجد بديلاً كاملاً للخليج. الصين تملك المخزون، واليابان الاحتياطيات، وكوريا القوة التفاوضية، والهند مرونة المصافي. أما البلدان الأفقر، فتواجه قيد التمويل قبل قيد الإمدادات. قد لا يبدأ الخطر من نفاد الخام، بل من ارتفاع تكاليف التأمين والشحن ونقص الديزل والنافثا وغاز الطهو. ولن تحسم التصريحات السياسية حجم التدفقات الحقيقي؛ سيأتي الحكم الأدق من الشحنات التي تصل فعلاً إلى الموانئ الآسيوية.



