صندوق النقد يُسقط بالواتساب سيادة الدولة… فهل يطعن عون بقانون إصلاح المصارف؟ (النهار 14 آب)

لم يكن الهرج والمرج الذي ساد جلسات الهيئة العامة للمجلس النيابي حول قانون العفو، متوقّفاً على مشهدية الخلاف بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع حيث حوّل تلك الجلسات إلى منصة مزايدات شعبوية، بل هو أخفى في طياته ما هو اخطر بكثير من ذلك القانون، اذ ادى الضجيج إلى إرهاق النواب وإشغالهم بقانون متفق عليه مسبقاً ضمن تسوية محاصصية طائفية ترضي كل طائفة بما تريده، إلى ان وصل النقاش في الجلسة المسائية إلى القانون الذي أعدّته الحكومة لتعديل قانون إصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها، فكانت الجريمة الكبرى، ليس في حق التشريع فحسب، وانما في حق سيادة السلطة التشريعية وانتصار معادلة النفوذ داخل المجلس.
مجموعة من المفارقات تم تسجيلها في قراءة نتائج جلسة اقرار هذا القانون، لا تخرج منها اي ايجابية او اي منحى اصلاحي يخدم تطلعات اللبنانيين إلى دولة القانون والمؤسسات.
في اولى هذه المفارقات، أنّ إقرار القانون جاء بناء لرسائل الواتساب التي وصلت إلى النواب من مدير مكتب صندوق النقد في بيروت فريديريكو ليما، الذي للمفارقة، يغادر لبنان نهاية هذا الشهر، بعد ان فتك بالسيادة اللبنانية من خلال تعامله بالرسائل النصية مع نواب الأمة. فتلك الرسائل دعت النواب إلى تبني تعديلات الصندوق، الذي ضرب بعرض الحائط توصيات لجنة المال والموازنة المبنية على خلاصة مناقشات طويلة شارك في جانب كبير منها حاكم المصرف المركزي.
وبالفعل، وتحت عنوان ان لبنان لا يريد ان “يزعّل” الصندوق، في خضم الاستعداد لبرنامج معه، خضعت الحكومة، وخضع النواب للتعديلات التي اقترحها، وهي، وأيضاً للمفارقة غير البريئة، نتيجة مناقشات مع الفريق الحكومي الذي منح الصندوق، ورقة ضغط تضرب عصفورين بحجر واحد: ضرب صلاحيات حاكم مصرف لبنان، تحت ذريعة ان الحاكم السابق استغل تلك الصلاحيات وجر البلد بسياساته المتفردة إلى الانهيار، علماً ان الخطأ الذي ارتكبه ذلك الحاكم لم يكن بسبب تفرده بالصلاحيات، بل بسبب سطوته وإغراءاته المالية والمعنوية للمجلس المركزي الذي استقال من مسؤولياته وأطلق يد حاكمه. وفي التعديل الذي طال المادة ٣ من القانون، انتزاع صلاحيات الموقع الماروني الثالث، في سياق عملية اعادة توزيع المكاسب بفعل الأمر الواقع من دون المساس بدستور الطائف!
اما العصفور الثاني فأسقط معه سيادة السلطة التشريعية، والتنفيذية، مكرساً وصاية الصندوق على القرارات والقوانين.
وهذا الأمر يقود إلى مفارقة لا تقل اهمية وتتمثل بسخرية التقاء مصلحة “حزب الله” مع مصلحة الصندوق والحكومة!
وهنا يضرب تدخل الصندوق أكثر من عصفور بحجره. فهو كرس الوصاية الدولية التي لطالما رفضها الحزب وواجهها، ليقبل بها اليوم، وهو يعي ان وصاية الصندوق، تترجم عملياً بوصاية اميركا، العضو الأكثر فاعلية وتأثيراً على قراراته وسياساته. ولأن مصلحة الحزب تقتضي انتزاع صلاحات الحاكم وتقييدها، كان تدخله واضحاً في دعم الصندوق في التعديل الذي اقترحه على المادة 3، والذي رفضته لجنة المال وعدلته آخذة في الاعتبار المادة 70 من قانون النقد والتسليف المتعلقة بصلاحيات الحاكم.
لم ينجح الحزب فقط في انتزاع صلاحيات للحاكم تقيد عمل المركزي الرامي إلى لجم تمويل عملياته وتبييض الاموال واقتصاد الكاش الذي يعتاش منه، وانما بلغ به النجاح انه كرس استمرار نفوذه وقدرته على التحكم بالسياسات المالية والنقدية، تماماً كما هي حاله في التحكم بالسياسة والامن والسلاح. وبدا وكأن حصته من قانون العفو الذي منحه الإفراج عن تجار المخدرات والزراعات الممنوعة، لم تكن كافية إذا لم تترافق مع تأمين حرية الحركة وإبعاد سيف المركزي المسلط فوق حركة الاموال. وهذا يقود بدوره إلى التساؤلات عن ميزان القوى داخل المجلس ومن يملك الأكثرية فيه إذا ما بلغ الأمر طرح قوانين اكثر خطورة مثل تعديل الدستور؟
تعديل آخر لا يقل اهمية نجح الصندوق في اقراره، يتصل بمنع المساهمين الكبار في المصارف من اعادة رسملتها بعد ان تتم اعادة هيكلتها، وذلك تحت مبرر ان هؤلاء كانوا السبب في الانهيار المالي وضياع الودائع. وخطورة الامر ان التعديلات بنيت على خلفية معاقبة استنسابية لبعض رموز الانهيار ، من دون ان يكون هذا الهدف الحقيقي، بل لأن مثل هذه المقاربة تبدو شعبوية للنواب، في حين ان الواقع من وراء هذا التعديل يكمن في الرغبة التي لم يخفها مرة الصندوق بتصفية المصارف، ما يؤدي إلى انتقال ملكية المصارف إلى ملكيات جديدة، قد تغيّر على الغالية هوية القطاع. علماً ان مسؤولية محاسبة ومعاقبة رموز الانهيار تقع على عاتق القضاء، علماً ان المركزي بدأ مساراً قضائياً ضد هؤلاء.
في الخلاصة، وبعد ان فعل الصندوق فعلته للمرة الثانية من خلال اسقاط تعليماته على الحكومة والمجلس، تصبح مسؤولية رد الخطأ وتصحيحه في مرمى رئيس الجمهورية جوزاف عون الذي يعود اليه قبول القانون او رده والطعن به، علماً انه لا بد من الاشارة إلى الصندوق لن يتوقف عن اقتراح إملاءات جديدة تعطل القوانين بعد صدورها في لعبة كسب الوقت التي يمارسها هرباً من اي التزام مع الحكومة ببرنامج لم تنضج ظروفه بعد، وتنتظر التسوية السياسية التي يفترض ان تنسحب بنودها على اي تسوية مالية تؤدي إلى الإفراج عن الدعم الدولي للبنان.
* من ابرز التعديلات:
في المادة 3: أزيلت عبارة “مع الالتزام بقانون النقد والتسليف لا سيما المادة 70 منه”، التي أصرّ عليها حاكم مصرف لبنان. سعى الحاكم من خلال هذه العبارة الى تحديد نطاق صلاحيات الهيئة المصرفية العليا (الغرفة الثانية) بمنع تحوّلها إلى مرجعيّة جديدة في عمليّة تنظيم أوضاع القطاع المصرفي بما يحد من دوره.
في المادة 11: عُمل بالصيغة الحكومية التي تنصّ على حصر إمكانية مشاركة المساهمين بإعادة الرسملة بالذين يملكون أسهم أقلّية من دون الذين يملكون أسهم أكثرية أو حقّ السيطرة على إدارة المصرف كما كانت ترغب لجنة المال والموازنة ورئيسها.
في المادة 13: أقرّت المادة كما وردت في الصيغة التي أرسلتها الحكومة لا تلك التي أقرّتها لجنة المال. أعطت هذه المادة الهيئة المصرفية العليا (الغرفة الثانية) بموافقة أكثرية ثلثي أعضائها “حق الطلب” من مصرف لبنان إصدار “التعاميم” الناظمة لعمليّة معالجة أوضاع المصرف المتعثر. وقد تحفظ الحاكم سعيد معتبرا ذلك مساًسا بصلاحيّات المجلس المركزي لمصرف لبنان ومقترحا استبدال تعبير التعاميم بتعابير أخرى مثل الأوامر أو القرارات أو التدابير التنفيذية. كما تمّ التأكيد في الصيغة المقرّة على فرض استرجاع الأموال التي حُوّلت بعد 17 تشرين الأول 2019 بشكل تمييزي ما أضرّ بحقوق المودعين والدائنين.
في المادة 23: صدّقت الصيغة الواردة من لجنة المال والموازنة على عكس رغبة وزير المال وصندوق النقد. وقد انتهت الصيغة التي أقرّت إلى أنّه في حال تصفية المصرف، تغطّى الودائع وفق معايير وأحكام قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع وسط اعتراض وزير المال، على اعتبار أنّ ذلك قد يحمّل الخزينة أعباء إضافية، وهو ما لا يرغب به الصندوق. وهو ما دفع وزير المال إلى القول “اليوم قتلتو القانون”.



