جودة الحياة عربياً في منتصف 2026: الخليج في الصدارة ولبنان ومصر في القاع

يكشف مؤشر جودة الحياة لمنتصف عام 2026، الصادر عن Numbeo، عن انقسام عربي حاد بين دول الخليج، التي احتلت المراكز الخمسة الأولى عربياً، من جهة، ودول المشرق وشمال أفريقيا التي تمركز معظمها في النصف الأدنى من الترتيب العالمي، من جهة أخرى. وتصدرت عُمان الدول العربية، محتلة المركز الثالث عالمياً، فيما جاء لبنان ومصر قرب قاع القائمة التي ضمت 89 دولة.
ماذا يقيس مؤشر Numbeo؟
لا يقيس هذا المؤشر الدخل وحده، بل يجمع ثمانية عناصر: القوة الشرائية، والأمان، والرعاية الصحية، وكلفة المعيشة، وأسعار العقارات مقارنة بالدخل، والوقت المستغرق في التنقل، والتلوث، والمناخ. وترتفع النتيجة مع تحسن القوة الشرائية والأمان والصحة والمناخ، وتنخفض مع ارتفاع التلوث وكلفة السكن وأوقات التنقل.
وتعتمد Numbeo بصورة أساسية على بيانات يقدّمها المستخدمون، إلى جانب معلومات تجمع يدوياً من مصادر رسمية وتجارية موثوقة، وتمنح الأخيرة وزناً يعادل ثلاثة أضعاف مساهمات المستخدمين. كما تقول المنصة إنها تطبق أكثر من 30 مرشحاً آلياً وشبه آلي لاكتشاف القيم الشاذة، وتحسب نتيجة الدولة من بيانات مدنها، موزونة بعدد المساهمين في كل مدينة. لذلك، تبقى النتائج مؤشراً إدراكياً وعملياً للمعيشة، وليست إحصاءً حكومياً شاملاً.
عُمان ثالثة عالمياً
سجلت عُمان 203.9 نقاط، متعادلة تقريباً مع الدنمارك، ومتأخرة فقط عن هولندا (205.6 نقاط)، ولوكسمبورغ (ـ204.8) نقاط. وبذلك تفوقت عُمان على جميع الاقتصادات الآسيوية، وعلى معظم الدول الأوروبية المعروفة بارتفاع مستويات المعيشة.
لا يعود هذا التفوق إلى عامل واحد، بل إلى توازن بين الأمان، والقدرة على تحمل كلفة السكن، وقصر أوقات التنقل، ومستوى الأسعار. فقد بلغ مؤشر الأمان العُماني 81.6 نقطة، فيما سجلت كلفة المعيشة 45.5 نقطة، وهي معادلة تسمح بتحويل الدخل إلى مستوى معيشة فعلي أفضل، بدلاً من أن تلتهمه الإيجارات والأسعار والخدمات اليومية.
الإمارات: الأمان والقوة الاقتصادية
حلت الإمارات ثالثة عربياً و29 عالمياً بـ168.5 نقطة. وتبرز الدولة خصوصاً في الأمان؛ إذ تصدرت الإمارات دول العالم بمؤشر بلغ 86 نقطة، تلتها قطر بـ84.8 نقطة، بينما جاءت عُمان عند 81.6 نقطة.
واحتلت الكويت المركز الرابع عربياً و34 عالمياً بـ158.6 نقطة، ثم السعودية خامسة عربياً و38 عالمياً بـ154.5 نقطة. وهكذا، بلغ متوسط الدول الخليجية الخمس نحو 174.8 نقطة، مقابل 107.9 نقاط فقط لمتوسط الدول العربية الخمس الأخرى المدرجة، أي إن المتوسط الخليجي كان أعلى بنحو 62%.
الحرب فرضت وقعها
تكشف مقارنة مع منتصف 2025 أن الصدارة الخليجية لم تمنع تراجع معظم النتائج: انخفضت عُمان من 215.1 نقطة إلى 203.9 نقاط، والكويت من 167.9 إلى 158.6، والإمارات من 174.2 إلى 168.5، بسبب التطورات الجيوسياسية في منطقة الخليج العربي. أما السعودية فسجلت أكبر انخفاض عربي: من 173.7 إلى 154.5 نقطة، بتراجع 19.2 نقطة، أو نحو 11%.
لا يعني التراجع بالضرورة انهياراً في الخدمات؛ فقد ينتج أيضاً من تغير بيانات المستخدمين، أو الأسعار، أو القوة الشرائية، أو أوزان الدول المنافسة. الأهم أن الفجوة الخليجية مع بقية المنطقة بقيت واسعة.
بين المنطقة الوسطى والقاع
حل الأردن سادساً عربياً و58 عالمياً بـ126.6 نقاط، محافظاً تقريباً على مستواه المسجل في منتصف 2025، حين بلغ 126.9 نقاط. وجاءت تونس في المركز 68 عالمياً بـ117.1 نقاط، ثم المغرب في المركز 70 بـ112.9 نقاط. ويشير تقارب نتائج الدول الثلاث إلى أن اعتدال كلفة المعيشة أو المناخ الجيد لا يكفيان وحدهما لتعويض محدودية القوة الشرائية أو مشكلات النقل والتلوث وجودة الخدمات.
وجاء لبنان في المركز 78 عالمياً بـ97.5 نقاط، متراجعاً من 102.8 نقاط في منتصف 2025. أما مصر فحلت في المركز 84 بـ85.4 نقطة، رغم تحسنها بنحو 2.2 نقطة خلال عام. وبلغ الفارق بين عُمان ومصر 118.5 نقطة، ما يعني أن نتيجة عُمان تعادل نحو 2.4 مرة النتيجة المصرية.
وتوضح هذه النتائج أن انخفاض الأسعار الاسمية لا يعني بالضرورة ارتفاع جودة الحياة؛ فإذا كانت القوة الشرائية ضعيفة، والسكن بعيد المنال، والازدحام والتلوث مرتفعين، تبقى الحياة اليومية مكلفة حتى في بلد يبدو رخيصاً بالمقارنة الدولية.
مؤشر مهم… لكنه ليس الصورة كاملة
لا يقيس Numbeo مباشرة جودة التعليم، أو توزيع الدخل، أو الحريات، أو الاستقرار السياسي، أو الحماية الاجتماعية، كما أن اعتماده على مساهمات المستخدمين يجعل النتائج أكثر تمثيلاً للفئات الحضرية المتصلة بالإنترنت. لذلك، يُقرأ المؤشر باعتباره مقياساً لكفاءة الحياة اليومية وتكاليفها، لا حكماً نهائياً على رفاه الشعوب.
مع ذلك، رسالته العربية واضحة: تتفوق دول الخليج لأنها تجمع بين الأمن والدخل والخدمات والبنية التحتية والقدرة على تحمل كلفة السكن، بينما تعاني الدول المتأخرة من تراكم اختلالات اقتصادية وحضرية لا تستطيع ميزة واحدة، كالمناخ أو انخفاض الأسعار، تعويضها، ناهيك بعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي كما في لبنان مثلاً.



