جماليّة لبنان: وطن حوار الآلهة والنــــاس وتلاقي الحضارات (الديار 14 تموز)

لبنان في بنيته الجغرافية، وطن الثنائية، إذا لم يكن وطنا ثلاثي الأبعاد. هذا الوطن هو النهر الجاري، فإذا توحدت ضفتاه مات. إنه وطن الثنائية الجغرافية الفريدة: لقاء البحر والجبال. أكيد أن هناك في كل بلاد العالم، بحارا وجبالا وسهولا، لكن الفريد هنا هو القرب والتلاصق، قرب البحر والجبالِ والسهل. والأهم من ذلك تتابع الفصول وتصاعدُها نحو الجبال، والوصول إلى السهل.
يضاف إلى ذلك، غزارة وجودِ الانهار وعيون المياه، والجبال العالية تمنع عبور الغيم الحامل للمياه إلى الخارج. الجبال تشكل سدا يحفظ المياه في جبل المياه، حتى إن خط الحرارة المعتدلة بين 21 و22 يمر بطريقة فريدة في بيروتَ.
وعلى الطريقِ الساحلي وطريق سهل البقاع، مرّت جميع الشعوب وحضاراتها وثقافاتها وجيوشها وغزاتها، لأن عين الله ترعى وطنَ الأرز وإنسانَ التلاقي.
من هنا، هذا الاعتدال في كل شيء. فلبنان ابن البيئة وثقافة حوار الحضارات وتلاقي
الآلهة والناس وقبول الآخر. هو هذه القصبة التي، إذا لم تشق، لا تعطي نغما متنوعا،
فجرح القصبة يعطي أروع وأجمل الأنغام.
هكذا هو لبنان بين البساطة والزهد، وحب الأرض والانتشار الماروني، وفجيعةِ الحالة الكربلائية، والإيقونوستاز الأرثوذكسي، والمذبحة الأرمنية، وطقس النور، وشرعة السنة الإسلامية، والقلق والخوف والشك البروتستانتي، والمعرفة والعرفان والتوحيد الدرزي، وفرح القيامة والرجاء، والمحبة والبساطة المسيحية.
هكذا هو لبنان بين صفاء السماء، وجمال النجوم والقمر، والعيش الرغيد والهناء، في بيئة وطبيعة ساحرة في فصولها الأربعة، وفي ميثاتها التأسيسية، ميثة طائر الفينيق الذي يحترق ويقوم جميلا من رماده.
لبنان هو ميثة الإله أدونيس الذي يقتله الخنزير، وتنبت من دمه شقائق النعمان، ويعود إلى الحياة بهيا جميلا مع الربيع، ويسكر من حب الحياةِ مع معاصر العنب في الصيف، ويكتمل جماله مع الورقِ الأصفر في شهر أيلول، فيفترش الأرض، ويصبح أبيض بهيا مع ثلجِ الكوانين، ويعيش شفاء دائما حقيقيا، في قصة واقعة يسوع الحقيقية، والتي هي ليست ميثة.
فيسوع حقيقة ،عاش زارعا في كبدِ الأرضِ محبة، محتملا الجلد وإكليل الشوك والصلب والموت، وقهر الموت بالموت، قائما بالمجد والكرامة، في قصة يسوعَ الحقيقية الواقعية وليست الميثاتية.
إنه لبنان الذي زاره يسوع وأمه، وقد صنع فيه العجائب والشفاءات وتحويل الماءِ خمرا، وجعل لبنان في عرس من الحب والحياة والفرح الدائم، وطنَ التنوع والتعدد الثقافي والحضاري والديني.
هذا الوطن نعمة، لأن اسمه في قلب الله: لب = قلب- ونون = الله.
هذا الوطن نعمة، لأن جبلَه وبحره وسهلَه تتلاصق بقرب مميز.
هذا الوطن نعمة، لأن يسوع زاره وأمه، وقدسه وجعله عرسا للفرح والحياة، وبفضل
المرأة الكنعانية عبر إلى المسكونية والعالمية والشمولية.
أخيرا، أحبك يا وطني لبنان، وأصلي لك لتبقى أعجوبةَ الله الدائمة. وكما قال البابا القديس يوحنا بولس الثاني: “سيبكي العالم دما إذا فقد لبنان، انها خطيئة كبيرة”.



