ابرز الاخبارسياسة

“مفاوضات واشنطن”: انسحابات إسرائيلية مشروطة… رهان دولي- إقليمي على الدولة والجيش ( الجمهورية 23 حزيران 2026)

بين واشنطن والجنوب اللبناني تُرسم ملامح مرحلة جديدة تتجاوز وقف إطلاق النار إلى إعادة صياغة التوازنات الأمنية والسياسية على الحدود. فالجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية لا تبحث فقط في الانسحاب الإسرائيلي، بل تفتح الباب أمام نقاش دولي واسع حول مستقبل الجنوب ودور الجيش اللبناني وشكل الوجود الدولي بعد عام 2026. فيما لم تعُد المفاوضات الجارية برعاية أميركية مجرّد محاولة لاحتواء التصعيد على الحدود الجنوبية، بل تحوَّلت إلى منصة لرسم خريطة أمنية جديدة للبنان. وبين حديث عن انسحابات إسرائيلية محدودة، ودعم دولي متزايد للجيش، ومواقف رئاسية تؤكّد حصرية القرار بيد الدولة، يبدو الجنوب أمام مرحلة مفصلية.

بحسب معلومات ديبلوماسية لـ«الجمهورية» من مصدر مطلع مباشرة على التحضيرات الجارية للجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية برعاية أميركية التي تنطلق اليوم، فإنّ الساعات التي سبقت انطلاق المحادثات شهدت حراكاً سياسياً وأمنياً مكثفاً، عَكَس رغبة واشنطن في الانتقال من مرحلة إدارة الاشتباك إلى مرحلة تثبيت ترتيبات ميدانية أكثر استقراراً على الحدود الجنوبية.

 

وكشف المصدر، أنّ مؤشرات أولية برزت خلال الاتصالات التمهيدية، تفيد بأنّ إسرائيل قد تبدي، عبر الوسيط الأميركي، استعداداً للانسحاب من بعض النقاط التي تحتلها داخل الأراضي اللبنانية، ولا سيما المواقع التي تعتبرها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية غير ضرورية لأمنها المباشر، أو تلك التي لا تسمح عملياً بإطلاق النار أو تنفيذ عمليات نارية مباشرة باتجاه الشريط الحدودي. إلّا أنّ المصدر شدّد على أنّ هذا الطرح لا يزال جزءاً من عملية تفاوضية معقّدة، ترتبط بسلة أوسع من الترتيبات الأمنية والعسكرية.

 

الدولة هي المرجعية الأولى والأخيرة

وفي موازاة ذلك، اعتبر المصدر، أنّ الاتصال الثلاثي الذي جمع مسؤولين أميركيّين وقطريّين برئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، يحمل دلالات سياسية تتجاوز مضمونه المباشر، إذ يؤكّد بصورة واضحة أنّ المجتمع الدولي لا يزال يعتبر الدولة اللبنانية المرجعية الوحيدة لأي تفاهمات أو ترتيبات مقبلة في الجنوب، وأنّ أي آلية جديدة ستنشأ ستكون تحت سقف المؤسسات الشرعية اللبنانية. وكشف أنّ البحث لم يتناول خلال الاتصال تفاصيل أو تركيبة الخلية المقترحة لمواكبة تنفيذ وقف إطلاق النار ومنع الاحتكاكات، بل اقتصر على تثبيت المبدأ السياسي العام المتعلّق بضرورة إيجاد إطار تنسيقي دائم يمنع تجدّد المواجهات.

 

وبحسب المعلومات، فإنّ الرئيس عون أبدى تأييداً واضحاً لفكرة إنشاء خلية مشتركة تتولّى متابعة تنفيذ وقف إطلاق النار بصورة دائمة وتوفير المظلة اللازمة لاستكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة، على أن تعمل بالتنسيق مع الدولة اللبنانية والجهات الدولية المعنية. وأكّد المصدر الديبلوماسي، أنّ الإدارة الأميركية تتطلّع إلى الخروج من الجولة الحالية بورقة تفاهم تنفيذية أو إعلان مبادئ يؤسس لمرحلة جديدة من تثبيت وقف النار، ولو أنّ النقاط الأكثر حساسية لا تزال مرتبطة بمستقبل الترتيبات الأمنية جنوب الليطاني وآليات مراقبة تنفيذها.

 

فرنسا تبحث في القوات الدولية ودعم الجيش

وفي هذا الإطار، كشف المصدر أنّ النقاشات الدولية الجارية بالتوازي مع المفاوضات لا تقتصر على وقف النار أو الانسحاب الإسرائيلي، بل تمتد إلى رسم صورة الجنوب اللبناني في مرحلة ما بعد انتهاء مهمّة قوات «اليونيفيل» بصيغتها الحالية نهاية العام. وأضاف إنّ باريس تقود مشاورات واسعة مع واشنطن وعدد من الدول الأوروبية (أبرزها إسبانيا وإيطاليا وألمانيا والمملكة المتحدة) والأمم المتحدة، حول ترتيبات أمنية جديدة، يكون الجيش اللبناني في صلبها، وسط اقتناع متزايد داخل العواصم الغربية بأنّ المرحلة المقبلة تستوجب انتقالاً تدريجياً للمسؤوليات الأمنية من القوات الدولية إلى المؤسسة العسكرية اللبنانية. وأضاف، أنّ فرنسا تعمل بالتوازي على إعداد مؤتمرَين دوليَّين منفصلَين، الأول مخصَّص لدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية عبر برامج تمويل وتجهيز واسعة، والثاني مخصَّص لإعادة إعمار المناطق المتضرّرة وتنشيط الاستثمار في البنى التحتية، وذلك بهدف فصل المسارَين مالياً وسياسياً وتعزيز فرص نجاحهما. لكنّ الديبلوماسي نفسه شكّك في إمكانية سلوك مبدأ الفصل بين المسارَين الطريق إلى النجاح، إذ سيرتبط ذلك بـ«تعاون «حزب الله» على تسليم سلاحه سريعاً وتفكيك بنيته الإدارية والاجتماعية والاقتصادية، ليقتصر عمله كحزب سياسي حصراً».

 

أمّا التطوُّر الأكثر حساسية، فيتمثل – وفق المصدر – في تداول أفكار متقدّمة داخل بعض الدوائر الغربية بشأن إنشاء قوّة متعدّدة الجنسيات جديدة خارج الإطار التقليدي لـ«اليونيفيل». وأوضح أنّ هذه الفكرة لا تزال قيد الدراسة، ولم تتحوَّل إلى قرار نهائي، إلّا أنّ النقاشات الجارية تتناول إمكانية مشاركة وحدات أميركية وفرنسية وربما أوروبية أخرى ضمن قوّة تنتشر بين الحدود ونهر الليطاني، بصلاحيات مختلفة عن تلك المعمول بها حالياً، وتحديداً صلاحيات إجرائية مباشرة وغير رقابية. لكنّه شدّد على أنّ هذا الطرح لا يزال في مرحلة المشاورات الأولية، وأنّ بلورته النهائية ستتوقف إلى حدّ كبير على نتائج المفاوضات الجارية في واشنطن وعلى موقف الدولة اللبنانية من أي ترتيبات أمنية مستقبلية. وختم المصدر بالتأكيد، أنّ ما يجري حالياً يتجاوز بكثير حدود التفاوض حول وقف إطلاق النار، إذ إنّ المباحثات المفتوحة بين واشنطن والعواصم الغربية المعنية تتناول عملياً شكل الجنوب اللبناني بعد عام 2026، ودور الجيش اللبناني، ومستقبل الوجود الدولي، وآليات تثبيت الاستقرار على المدى الطويل، في إطار مقاربة دولية تسعى إلى تكريس وقائع جديدة تعتبرها مدخلاً لإقفال إحدى أكثر جبهات المنطقة حساسية وتعقيداً.

 

عون: لا مفاوضات بالوكالة

في وقت تتقاطع فيه الضغوط الأمنية مع الاستحقاقات السياسية والاقتصادية، رسم رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون خلال سلسلة مواقف متتالية، ملامح المرحلة التي يسعى إلى تكريسها، واضعاً عنواناً واضحاً للحكم، يتمثل في استعادة الدولة لدورها على المستويات السيادية والأمنية والإدارية. وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة، لأنّها جاءت بالتزامن مع الحديث عن مفاوضات إقليمية ودولية تتصل بلبنان، ومع استمرار تداعيات الحرب الإسرائيلية على الجنوب.

 

أبرز ما حملته مواقف عون تمثل في تأكيده أنّ لبنان «بلد ذو سيادة ولا أحد يفاوض عنه»، في رسالة سياسية مباشرة إلى مختلف القوى الداخلية والخارجية. فالرئيس أراد تكريس قاعدة مفادها أنّ أي مسار تفاوضي يتعلّق بمصير لبنان أو بترتيبات وقف الحرب، لا يمكن أن يتمّ عبر وسطاء داخليّين أو قوى موازية للدولة، بل من خلال المؤسسات الدستورية وحدها. كما لم يُغلق الباب أمام الجهود الدولية، بل ميَّز بوضوح بين الدعم والمساعدة من جهة، والتدخّل في الشؤون الداخلية من جهة أخرى. وهي معادلة تعكس محاولة لبنانية للاستفادة من الحراك الدولي والإقليمي القائم، من دون التفريط بالقرار الوطني أو السماح بتحويل لبنان إلى ساحة تفاوض بالنيابة.

 

وفي الشق الداخلي، أعاد عون التأكيد أنّ لبنان لا يزال يعيش صراعاً بين «منطق الدولة واللا دولة»، معتبراً أنّ التجارب السابقة أثبتت أنّ انهيار المؤسسات يفتح الباب أمام تمدُّد الولاءات الفئوية والطائفية على حساب المصلحة الوطنية.

ومن خلال استحضاره تجربة عام 1975، بدا الرئيس وكأنّه يوجّه تحذيراً من إعادة إنتاج الظروف التي قادت إلى انهيار الدولة والحرب الأهلية. لذلك وضع بناء الدولة واستعادة ثقة المواطنين بها في صدارة الأولويات، معتبراً أنّ الأحزاب يمكن أن تكون شريكاً في إعادة البناء، لكنّها لا يمكن أن تتحوَّل بديلاً من المؤسسات الشرعية.

 

وفي موازاة الملف السيادي، خصّ عون الجنوب بمواقف لافتة، مؤكّداً أنّ صمود أبناء القرى الحدودية شكّل أحد أبرز عوامل الحفاظ على الأرض والهوية الوطنية خلال الحرب الأخيرة. وشدّد على أنّ الدولة ستكون إلى جانب الأهالي لدعم بقائهم في مناطقهم، رافضاً أي محاولات لتخوينهم أو التشكيك بتضحياتهم. ويأتي هذا الموقف في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى خطط إعادة الإعمار وعودة السكان إلى قراهم المدمِّرة.

 

أرقام الدمار تكشف حجم التحدّي

وتزامنت مواقف رئيس الجمهورية مع صدور تقييم جديد أعدّه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) والمجلس الوطني للبحوث العلمية، أظهر حجم الكارثة التي خلفتها الحرب في جنوب لبنان. فقُدِّرت الأضرار المباشرة في المباني بنحو 1,38 مليار دولار، فيما تجاوز حجم الركام 3,1 ملايين متر مكعَّب. كما سُجِّل تدمير أكثر من 11 ألف مبنى بشكل كامل، بالإضافة إلى آلاف المباني المتضرّرة جزئياً أو بصورة طفيفة، مع تركّز القسم الأكبر من الدمار في بنت جبيل ومرجعيون والقرى الحدودية المواجهة لإسرائيل.

وتكشف هذه الأرقام أنّ التحدّي اللبناني لم يعُد يقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار، بل بات يشمل توفير التمويل اللازم لإعادة الإعمار وإعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية إلى المناطق المنكوبة.

 

دعم دولي للجيش وحراك حكومي للإعمار

في موازاة ذلك، حملت زيارة رئيس أركان الدفاع الهولندي الجنرال أونو إيشيلشيم إلى لبنان، مؤشراً إضافياً إلى استمرار الرهان الدولي على المؤسسة العسكرية، باعتبارها الضامن الأساسي للاستقرار. وقد أكّد المسؤول الهولندي استمرار دعم بلاده للجيش اللبناني، فيما شدّد قائد الجيش العماد رودولف هيكل على أهمّية تعزيز التعاون العسكري بين البلدَين.

 

حكومياً، برز اجتماع رئيس الحكومة نواف سلام مع عدد من الوزراء لمتابعة تداعيات الاعتداءات الإسرائيلية، وتركّز البحث على حاجات النازحين ومتطلّبات العودة والإعمار وآليات تثبيت وقف إطلاق النار، إلى جانب معالجة مشكلات الخدمات الأساسية، ولا سيما الاتصالات في المناطق الجنوبية.

 

لبنان على طاولة مفاوضات واشنطن-طهران

في انتظار ما ستسفر عنه المفاوضات الأميركية – الإيرانية التي انطلقت في سويسرا، برز الملف اللبناني مجدّداً كأحد أبرز البنود الإقليمية المطروحة على طاولة البحث، وسط مؤشرات إلى محاولة واشنطن ربط تثبيت التهدئة في الجنوب اللبناني بمسار أوسع، يهدف إلى خفض التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. إلّا أنّ الوقائع الميدانية والسياسية تؤكّد أنّ مستقبل الوضع اللبناني لا يزال رهينة توازنات معقّدة، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لمناطق جنوبية وتمسّك تل أبيب بحرية العمل العسكري هناك.

 

وأعلن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، أنّ الجولة الأولى من المحادثات مع إيران أفضت إلى ما وصفه بـ«أساس ناجح» يمكن البناء عليه للتوصُّل إلى اتفاق دائم خلال مهلة 60 يوماً، كاشفاً عن تفاهمات أولية تتعلّق بإعادة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى إيران، بالإضافة إلى إنشاء آليات لاحتواء التوتر في مضيق هرمز ولبنان. وعلى رغم من الطابع الإيجابي الذي حاولت واشنطن إظهاره، فإنّ المفاوضات لا تزال في بداياتها، فيما تبقى الملفات الأكثر حساسية عالقة بانتظار جولات لاحقة.

 

وفي هذا السياق، تحدّث الوسطاء القطريّون والباكستانيّون عن إنشاء ما سُمِّي «خلية منع التصادم» الخاصة بلبنان، وتضمّ ممثلين عن لبنان والولايات المتحدة وإيران، بهدف متابعة الالتزام بوقف العمليات العسكرية ومنع الانزلاق إلى مواجهة جديدة. لكنّ هذه الآلية تبدو محدودة الفاعلية، إذ لا تضمّ الطرفَين المنخرطَين مباشرة في المواجهة، أي إسرائيل و»حزب الله»، ما يجعل قدرتها على فرض أي التزام عملي موضع شك.

 

بالتوازي، كشفت إسرائيل عن جولة جديدة من المحادثات مع لبنان ستُعقد في واشنطن خلال الأيام المقبلة. وأبدت تل أبيب استعداداً لمواصلة البحث في ترتيبات الجنوب، لكنّها شدَّدت على أنّ أي تفاهم لن يغيّر من سياستها الأمنية الحالية. فقد أكّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أنّ القوات الإسرائيلية ستبقى في جنوب لبنان، وأنّها ستواصل التمتع بـ«حرية عمل كاملة» لمواجهة أي تهديد تعتبره قائماً أو محتملاً.

 

ميدانياً، ساد هدوء حذر في جنوب لبنان، بعد أيام من الاشتباكات العنيفة التي تركّزت في محيط النبطية وكفرتبنيت وتلة علي الطاهر، وأسفرت عن خسائر بشرية لدى الجانبَين. وقد أصدرت القيادة السياسية الإسرائيلية تعليمات جديدة للجيش تحدّ من العمليات الهجومية الاستباقية وتفرض قيوداً إضافية على استخدام القوّة، في محاولة لخفض احتمالات انفجار الوضع مجدّداً. إلّا أنّ هذه الإجراءات لم تترافق مع أي تعهُّد بالانسحاب أو إنهاء الوجود العسكري داخل الأراضي اللبنانية.

وفي موازاة ذلك، أجرى الرئيس عون سلسلة اتصالات مع نائب الرئيس الأميركي ومسؤولين قطريّين، تناولت إمكان إنشاء لجنة لمتابعة تنفيذ وقف إطلاق النار والإشراف على آليات التهدئة. ويعكس هذا التحرُّك حرص الرئاسة اللبنانية على تثبيت دور الدولة في أي ترتيبات مقبلة، خصوصاً في ظل المحاولات الدولية لربط الاستقرار اللبناني بمسارات التفاوض الإقليمية الأوسع.

المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى