الذكاء الاصطناعي.. التكنولوجيا التي تستهلك الطاقة قد تنقذ الكوكب

طرح خبراء من كلية هارفارد للأعمال سؤالاً مختلفاً: هل يمكن أن يتحول الذكاء الاصطناعي من جزء من المشكلة إلى جزء من الحل في مواجهة التغير المناخي؟
مع التوسع السريع في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أصبحت مراكز البيانات من أكبر مصادر الطلب الجديد على الكهرباء في الاقتصادات المتقدمة، ما أثار مخاوف من ارتفاع الانبعاثات وضغوط إضافية على شبكات الطاقة، لكن خبراء يرون أن التكنولوجيا نفسها قد تساعد في إدارة هذه التحديات وتسريع التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون.
إعادة رسم خريطة الطاقة
يرى أستاذ إدارة الأعمال في كلية هارفارد، كريستيان كابس، أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يغير الطريقة التي تعمل بها شبكات الكهرباء، فبدلاً من أن يتبع إنتاج الطاقة حجم الطلب، يمكن للذكاء الاصطناعي التنبؤ بالأوقات والمناطق التي تتوافر فيها الطاقة المتجددة بكثرة، ومن ثم توجيه عمليات الحوسبة ومراكز البيانات إليها.
وبحسب كابس، فإن هذا النموذج قد يسمح باستغلال أكبر للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ويقلل هدر الكهرباء النظيفة، كما قد يشكل نموذجاً يمكن أن تطبقه مستقبلاً السيارات الكهربائية وتقنيات التدفئة وغيرها من القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
فرصة لتسريع إزالة الكربون
من جانبه، يرى المحاضر في كلية هارفارد للأعمال فيكرام غاندي أن الذكاء الاصطناعي يملك القدرة على تسريع جهود إزالة الكربون في عدة مجالات، من بينها تحسين كفاءة شبكات الكهرباء، وتطوير تقنيات تخزين الطاقة، وتسريع نشر تقنيات احتجاز الكربون والوقود البديل.
ويشير غاندي إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يلعب دوراً محورياً في دمج البيانات المتعلقة بالسياسات والمناخ والاستثمارات والموارد، بما يتيح للحكومات والشركات اتخاذ قرارات أكثر كفاءة في مواجهة التغير المناخي.
كما يبرز دوره المحتمل في الزراعة، من خلال تحسين التنبؤات الجوية وإدارة المياه والمحاصيل، وهي قضايا تزداد أهمية مع تفاقم الجفاف ونقص الموارد المائية في العديد من مناطق العالم.
أداة للتكيف مع الكوارث المناخية
ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على خفض الانبعاثات فقط، بل يمكن أن يساعد الحكومات والمدن على التكيف مع الظواهر الجوية المتطرفة مثل موجات الحر والفيضانات والحرائق والجفاف، عبر تطوير أنظمة إنذار مبكر وتحسين إدارة الموارد والبنية التحتية.
ويرى الخبراء أن الاقتصادات النامية، التي تحتاج إلى توسيع شبكات الطاقة والغذاء والنقل خلال السنوات المقبلة، قد تستفيد من الذكاء الاصطناعي لتحقيق النمو بمسار أقل انبعاثاً للكربون.
المعادلة الصعبة: الفوائد مقابل التكلفة
لكن جينيفر تورليوك، الرئيسة التنفيذية لشركة «كورو لابس» والزميلة التنفيذية في كلية هارفارد للأعمال، تُحذر من تجاهل التكلفة البيئية للتكنولوجيا.
وتؤكد أن الأضرار المناخية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي حقيقية وقابلة للقياس، في حين أن كثيراً من فوائده البيئية لا تزال محتملة. لذلك، تدعو الشركات إلى تبني مفهوم «الأثر الصافي»، أي تقييم ما إذا كانت المنافع المناخية لأي مشروع تعتمد على الذكاء الاصطناعي تتجاوز تكلفته البيئية.
وترى أن الشركات يجب أن تتجنب الاستخدام المفرط للتكنولوجيا، وأن تركز على التطبيقات التي تحقق أكبر قيمة اقتصادية ومجتمعية وبيئية، متسائلة: «هل يحتاج كل تفاعل مع العملاء إلى روبوت محادثة؟ وهل يجب أن تصبح كل العمليات مدعومة بالذكاء الاصطناعي؟».
سباق عالمي بين الطاقة والتكنولوجيا
ويأتي هذا النقاش في وقت تواجه فيه شركات التكنولوجيا الكبرى انتقادات متزايدة بسبب البصمة البيئية لمراكز البيانات التي تشغل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، في حين تتسابق الحكومات والشركات للاستثمار في هذه التقنية التي يُنظر إليها على أنها محرك رئيسي للنمو الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.
وبين المخاوف البيئية والفرص الواعدة، يبدو أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يتحدد فقط بقدرته على إنتاج إجابات أسرع، بل أيضاً بمدى قدرته على المساهمة في بناء اقتصاد أكثر استدامة.



