اين احتياطي مصرف لبنان؟

منذ تكشفت أزمة السيولة بالنقد الأجنبي لدى المصارف، بدا واضحاً أن السياسة التي يعتمدها المصرف المركزي لإدارة الأزمة كانت ستؤدي إلى تآكل الاحتياط، وتعذر رد الأموال إلى أصحابها. فقد أدت مشكلة الشح تلك إلى الانتقال إلى اقتصاد السوق النقدي، فخسرت المصارف دورها ومهمتها، وتحولت السوق إلى التعامل نقداً بالدولار وفق ثلاثة أسعار متفاوتة، وكان المركزي يستنزف احتياطه للدفاع عن الليرة في جانب منه، ولتأمين فتح الاعتمادات لاستيراد السلع والمواد الأولية لزوم الصناعة الوطنية، أو لمد المصارف ببعض من أموالها التي أقرضتها للمركزي، وهي في الواقع تصل إلى 80 مليار دولار، هي عملياً ودائع الناس، بينما جاء قرار الحكومة بالتخلف عن دفع سندات الـ “يوروبوندز”، ليفاقم خسائر المركزي الذي يحمل في محفظته حوالى خمسة مليارات دولار.
وفي مقارنة للأرقام الصادرة عن المصرف المركزي في بياناته نصف الشهرية، يلاحظ أن تراجع الاحتياط منذ مطلع السنة الحالية حصل بوتيرة يتراوح معدلها بين 110 ملايين دولار في حده الأدنى، مارس (آذار) 2020، و938 مليوناً، مايو (أيار) شهرياً، باستثناء شهر يوليو (تموز) الذي سجل تراجعاً لافتاً بلغ مليارين و312 مليون دولار من دون أي تفسير أو مبرر، وسجل تراجعاً مماثلاً في شهر أغسطس، حتى بلغ التراجع في شهرين حوالى خمسة مليارات دولار.
لا جواب شافياً
لا يجد الخبير الاقتصادي توفيق كاسبار جواباً شافياً على هذا التساؤل الذي يثير الريبة لديه أيضاً. ويقول إنه بالاستناد إلى الأرقام الصادرة عن المصرف المركزي، فإن الاحتياطي الصافي يسجل تراجعاً بمعدل 730 مليون دولار شهرياً منذ مطلع السنة، لكنه فجأة قفز إلى مستويات تخرج عن الوتيرة الشهرية ليسجل في شهرين تراجعاً قارب الخمسة مليارات. ويرجح كاسبار أن يكون السبب عائداً لعاملين أولهما يتصل بمسألة الدعم التي أدت إلى توفير السيولة لتأمين استيراد بضائع مدعومة وإرسالها إلى سوريا. والعامل الثاني يكمن في توفير سيولة للمصارف لتغطية حاجاتها. ولكاسبار مقاربة اقتصادية أصدرها في دراسة أخيراً يخلص فيها إلى أن الدولة هي التي أقرضت المصرف المركزي وليس العكس، كاشفاً عن الفجوة المقدرة بحوالى 40 مليار دولار من أموال المودعين. والدراسة تمتد على مدى زمني بين عامي 2009 و2019.
ويحدد كاسبار في الدراسة مصدر أموال مصرف لبنان التي تبين أن ودائع المصارف لديه تبلغ 69.3 مليار والفائدة على احتياطات المركزي بالدولار 7.2 مليار، وسندات الـ”يوروبوندز” أو الدين بالعملات الأجنبية الناتجة من عمليات تبادل مع سندات مقومة بالليرة 17.5 مليار. أما كيف استخدم المركزي هذه الأموال فتتوزع كالآتي: الفائدة على الودائع المصرفية 23.3 مليار، فوائد أخرى 1.6 مليار، تغير في إجمالي الاحتياطات 12.9 مليار، وتغير في حيازة سندات الدولار بقيمة أربعة مليارات. أما الأموال غير المحتسبة بالدولار مضافة إليها التدفقات الخارجية بالدولار من مصرف لبنان فبلغت 39.2 مليار. وهذا ما يفسر في رأيه أين أنفقت الأموال وكيف.



