خاص – إعادة إحياء النظام المالي: مقاربة عمليّة لحلٍّ يتخطّى السياسة ويُبنى على وقائع السوق

– د. رياض عبجي وكلود خيّاط
إن الوضع الماليّ الحاليّ في لبنان لم يعد قابلاً للاستمرار. فالمودعون لا يمتلكون سوى إمكانيّة محدودة جداً للوصول إلى مدّخراتهم، والمصارف عاجزة عن دعم النشاط الاقتصادي، فيما يهيمن الاقتصاد النقدي بشكل كبير. إن الاختلالات الهيكلية، وضعف تدفّق رؤوس الأموال، والنقص شبه الكامل في التسهيلات الائتمانيّة، هي مشاكل جوهريّة تعرقل أيّ نهوض اقتصاديّ وتهدد الاستقرار على المدى الطويل. وعلى الرغم من تعدّد النقاشات وآليات التعافي المؤقتة، لم يُطرح حتى الآن أي حلٍّ عمليّ أو مستدام، يتم اعتماده بغية استعادة الثقة وإحياء القطاع المصرفي. فلقد بات واضحاً أن لبنان لا يستطيع تحمّل انتظار توافق سياسي ما، أو دعم من المؤسسات المالية الدّوليّة، للتحرك وإعادة الانتظام إلى اقتصاده ونظامه المالي.
جوهر المشكلة: ودائع المصارف في البنك المركزي مجمّدة منذ أكثر من خمس سنوات
اليوم، هنالك ما يقارب ال 80 مليار دولار مجمّدة من قبل المصارف في مصرف لبنان. وهذه الأموال المجمدة، غير قابلة للاستخدام في المعاملات، وتُدرّ عائداً ضئيلاً أو معدوماً. بالمقابل، يمتلك المودعون أرصدة كبيرة مجمّدة أيضا في المصارف ولا يمكنهم استخدامها لتلبية احتياجاتهم الأساسية أو للاستثمار في مشاريع منتجة. وبالتالي، يواجه الاقتصاد أزمة ائتمان حادة. هذه المفارقة – السيولة المفرطة العالقة في إيداعات غير قابلة للاستخدام وغير منتجة – تخلق اختلالات هيكليّة عميقة ذات تداعيات بعيدة المدى على النظام بأكمله.
آلية مبنيّة على السوق: تحويل الودائع لدى مصرف لبنان إلى أدوات قابلة للتداول
نحن نقترح حلاً فورياً يتجاوز التعقيدات السياسية: تحويل كامل ودائع المصارف اللبنانية لدى مصرف لبنان إلى سندات إيداع قابلة للتداول، تَدُرّ فوائد (يتم تحديدها لاحقاً)، وتُدرج وتتداول في السوق الماليّة المحليّة.
ستَتميّز سندات الإيداع هذه بالخصائص التالية:
• هي صادرة عن مصرف لبنان مقابل ودائع المصارف التجاريّة؛
• وقابلة للتداول بالكامل في السوق الثانوية؛
• وتحمل معدّل فائدة يعكس ظروف السوق الحقيقيّة؛
• ولها آجال استحقاقات متفاوتة؛
• وتتوزّع على المصارف بما يتناسب مع حجم ودائعها لدى مصرف لبنان؛
• كما ولها القدرة على تحفيز أكبر للنشاط في البورصة المحليّة.
ستُمكّن هذه الآلية من “تحرير” السيولة المجمّدة، مما يسمح للمصارف بتداول هذه الأدوات، أو عرضها على عملائها، أو استخدامها كضمانة للحصول على تمويل وفقاً لآليات السوق. كما ستسهم في إرساء مُنحنى عاِئد ديناميكي، وتعزيز سوق رأس المال المحليّة، وتشجيع مشاركة استثماريّة أوسع، وتحسين التداولات النقديّة – مما يعيد تدريجياً الثقة في الاقتصاد.
الفوائد الجوهريّة للآلية المقترحة
• تنشيط تدفق السيولة: تتحول الأموال المجمّدة إلى أصول قابلة للاستخدام، مما يعزز ميزانيات المصارف بدون الحاجة إلى التوسع النقدي المباشر.
• تجاوز العوائق السياسيّة: يمكن لمصرف لبنان تنفيذ هذه الآلية بشكل مستقل، متجنباً بذلك المداولات والمفاوضات السياسيّة المطوّلة.
• شفافية السوق وانضباطه: يضمن التداول العلني أن تعكس الأسعار ومعدلات الفائدة المستوى الفعلي لحركة العرض والطلب الحقيقية، مما يعزز الشفافية والانضباط في النظام.
• أداة استثمارية جديدة: يحصل المستثمرون، سواءَ كانوا أفراداً أو مؤسسات، على أدوات ماليّة جديدة، منخفضة المخاطر نسبيًّا، ومُدرّة للفوائد، وشفّافة، وقابلة للتداول. ومن خلال آليّات السوق، ستسهم هذه السندات في استعادة الثقة بمصرف لبنان وتعزيز الانضباط في عمليّاته.
• يمكن أن تكون بعض فئات هذه السندات مدعّمة بضمانات.
إطار التنفيذ
عملية التنفيذ مباشرة وتعتمد على البنية التحتية الحالية:
1. مرحلة التقييم والتوزيع: حجم ودائع كل مصرف في البنك المركزي معروفة وموثَّقة. يمكن لمصرف لبنان تنظيم عمليّة عرض أسعار بين المصارف لتحسين الشروط والأحكام.
2. مرحلة الإصدار: يُصدر مصرف لبنان سندات إيداع تعادل قيمة ودائع المصارف، مع تحديد آجال استحقاق موحّدة (سنة، سنتان، خمس، عشر سنوات).
3. مرحلة الإدراج والتداول: تُدرج السّندات في البورصة الوطنيّة ليبدأ تداولها بشكلٍ علني.
4. دعم سيولة السوق: يقوم المتعاملون المعتَمدون بدورٍ محوريّ في ضمان سيولة التداول وتشغيل سوقٍ ثانويٍّ فعالة.
بناء على ما تقدّم، وفي انتظار التوصّل إلى حلّ شامل، نقترح أن يقوم مصرف لبنان بطرح مزايدة علنيّة لبيع شهادات إيداع بقيمة عشرة مليارات دولار للمصارف، بفترة استحقاق مدّتها خمس سنوات، وبفائدة سنوية تبلغ 5%، على أن تكون هذه الشهادات مُدرجة في البورصة. فهذه الأدوات مجدية ومربحة، لكونها قابلة للتداول، وأكثر سيولة، وذات فائدة. كما أنّها بفضل شفافيتها ستُباع حتمًا بسعرٍ أعلى من القيمة الاسمية للدَّين الذي ستحلّ محلّه. وإذا افترضنا أن هذه المزايا ستتيح لمصرف لبنان تحقيق علاوة سعرية لا تقل عن 30% (وربما أكثر)، فإنّ هذه العملية ستؤمّن للسوق سيولة إضافية، وفي الوقت نفسه ستحقّق ربحًا مباشرًا لمصرف لبنان يُقدَّر بثلاثة مليارات دولار.
الأزمة النقديّة تتطلب حلولاً عاجلة ومبتكرة وغير مسيّسة. فإن تحويل ودائع المصرف المركزي المجمّدة إلى أدواتٍ قابلة للتداول ومُدرّة للفوائد يعد حلًّا عمليًّا لهذه المعضلة. كما وهو حلٌّ سريع التنفيذ، يعتمد على آليّات السوق، ويمكنه تحرير السيولة بدون تشويه الأُطر الماليّة أو النقديّة القائمة.
هذا الحل لا يمنع السعي نحو محاسبة المسؤولين، ولا يعيق مسارات الإصلاح الشامل، وهو ليس علاجاً سحريًّا لكل مشكلاتنا. إنما هو خطوة عمليّة ضروريّة للحدِّ من الاختلالات الجسيمة والظلم العميق الذي يلمس حياة اللبنانيين.
لم يعد التراخي خيارًا، ولا حتى الإجراءات المتسرّعة التي تتجاهل أسس النظام المالي. يمكن أن تُحفّز هذه الخطوة نظامًا ماليًّا أكثر فعاليّة واستجابة، يلبّي احتياجات الاقتصاد مع ضمان استقرار القطاع المصرفي.
د. رياض عبجي – رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لبنك بيمو ش.م.ل
أ. كلود خيّاط – عضو مجلس إدارة بنك بيمو ش.م.ل



