لبنان على موعد مع إستحقاق مالي وإقتصادي مُهمّ في أذار 2021… وتشدّد مُلفت من مصرف لبنان
كتبت صحيفة ” الديار ” :
في ظل فرضية تشكيل الحكومة في وقت قصير كما هو مُتوقّع، وفي ظل تشابك المصالح الدولية والإقليمية، قد يكون لبنان على موعد مع نهضة فعلية في أذار 2021. هذا الأمر يأتي من منطلق، أن الورقة الفرنسية المطروحة كمشروع لبرنامج الحكومة الجديدة تحوي على أربعة محاور: جائحة كورونا، تداعيات إنفجار 4 آب، الإصلاحات، والإنتخابات. وبالتالي فإن تنفيذ هذه الورقة يُشكّل باب خلاص للبنان من أزمته الإقتصادية والمالية والإجتماعية والنقدية.
في محور جائحة كورونا والوضع الإنساني، تنصّ الورقة على أن تقوم الحكومة بإعداد خطّة لمكافحة الجائحة، وتعزيز الحماية الإجتماعية لصالح الشعب. وفي محور إنفجار المرفأ، تقوم الحكومة بتسهيل عملية المساعدة الإنسانية المُقدمة من الأسرة الدولية وذلك بشكل شفاف وفعّال. على هذا الصعيد، يأتي تقرير البنك الدولي الذي أعدّه بالتعاون مع الإتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ليُشكّل محور خطة إعادة الإعمار وبالتحديد في مرفأ بيروت مع الإصرار على تحقيق «مُحايد ومُستقلّ» يسمح بتبيان الحقيقة الكاملة.
على صعيد محور الإصلاحات، تطلب الورقة من الحكومة اللبنانية أن تتبادل بشكل مُنتظم وجهات النظر مع المُجتمع المدني في ما يتعلّق بالإصلاحات، وإستئناف المفاوضات الفورية مع صندوق النقد الدولي مع الموافقة السريعة على التدابير الوقائية التي طلبها الصندوق وعلى رأسها قانون «الكابيتل كنترول» والتدقيق في حسابات مصرف لبنان.
أيضًا وعلى صعيد الإصلاحات، تقوم الحكومة في مهلة شهر بتعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء وإطلاق إستدراجات العروض ورفع تدريجي للتعرفة الكهربائية. كما تطلب الورقة من الحكومة عقد إجتماعات لمجموعة المتابعة المحلية لمؤتمر سيدر، إنجاز التعيينات القضائية، إقرار إستقلالية القضاء (من قبل المجلس النيابي)، وإصلاح القطاع العام.
ومن بين الإصلاحات التي تُطالب بها الورقة، مكافحة الفساد والتهريب وذلك من خلال تعيين أعضاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، والعمل على دخول معاهدة منظّمة التعاون والتنمية الإقتصادية حول مكافحة الفساد والتطبيق الفوري للإصلاحات الجمركية، وقانون المناقصات العمومية، وتفعيل المجلس الأعلى للخصخصة. على صعيد المالية العام، إقرار قطوعات الحساب، وإعداد ميزانية عقلانية لسنة 2021.
وفي محور الإنتخابات، تطلب الورقة تنظيم إنتخابات نيابية في مهلة سنة كحدّ أقصى مع إجراء تعديلات على القانون الإنتخابي الحالي.
هذه الإصلاحات إن تمّت، ستؤدّي حكمًا إلى إستقامة الوضع الإقتصادي والمالي والنقدي. ويظهر من المعطيات أن التوجّهات هي نحو الصرامة في التنفيذ وهذا ما نلحظه من التشدّد الذي بدأ المصرف المركزي يستخدمه مع المصارف اللبنانية مُطالبًا إياها برفع رأسمالها تحت طائلة الخروج من السوق بالإضافة إلى مطالبة المساهمين والمديرين في المصارف بإرجاع 30% من الأموال التي أخرجوها خارج لبنان. هذا الأمر يواجه حفيظة القيمين على المصارف التجارية حيث تُشير التسريبات إلى إمتعاض قوي من قبل المصارف التي ترفض أن تكون ضحية الفساد الحكومي. ويُتوقّع أن تشتدّ المواجهة بين المصرف المركزي والمصارف التجارية في الأسابيع والأشهر المقبلة من خلال زيادة الهجوم على شخص حاكم مصرف لبنان.
من كل ما تقدّم نرى أن شهر أذار سيشهدّ عودة القطاع المصرفي، عامود الإقتصاد، لكن بهيكلية مُختلفة وضع أسسها التعميمين وسيط رقم 576 وأساسي رقم 154.
{ الوصاية المالية الدوّلية }
المطالب الدولية بالتدقيق المالي مُلفتة للنظر! هذا المجتمع الذي ترك لبنان يغوص في فساده خلال عقود، يصحو فجأة ويُطالب بتدقيق مالي إن في مصرف لبنان أو من خلال قطوعات الحساب. هذه الصورة تطرح فرضية الوصاية الدولية على القطاع المالي في لبنان بشقيّه العام والمصرفي.
في الشكل، يُمكن الترحيب بهذه الخطوات التي طالما شكّلت مطالب للبنانيين، لكن في المضمون والتوقيت هناك سيناريو مُريب ينصّ على وضع المجتمع الدولي على النظام المالي اللبناني إن من ناحية مصرف لبنان والقطاع المصرفي أو من ناحية مالية الدوّلة. وهذا يعني أنه لن يكون للبنان إمكانية وحرّية التصرّف في المستقبل إلا وفقًا للموافقة الخارجية. أي بمعنى أخر، لا يُمكن للبنان إستيراد محروقات أو قمح أكثر من حاجته أو لا يُمكن للبنان توظيف أشخاص في القطاع العام إلا بعد موافقة ولو ضمنية من قبل المجتمع الدولي.
وتوقيت هذا التوجّه مُلفت بقدر ما مضمونه مُلفت، إذ يأتي في وقت يواجه لبنان أصعب مراحله المالية والإقتصادية وبالتالي لا خيار للّبنانيين إلا القبول به تحت طائلة المجاعة! وبالتالي كنا نتمنّى أن نصل إلى هذا المستوى من الإنضباط مع إحتفاظنا بسيادتنا المالية!
الواقع الإقتصادي المذري الذي وصلنا إليه اليوم، يدفعنا إلى القول أن الوصاية المالية الدولية تبقى أرحمّ من وصاية الفساد…



