قراءة تقنية في مشروع الحكومة لمعالجة الفجوة المالية (الاخبار ٥ كانون الثاني )

نصت الفقرة «ثانياً» من المادة الثامنة من مشروع القانون المتعلق بالانتظام المالي واسترداد الودائع، المحال إلى مجلس النواب في 29 كانون الأول 2025، على تسديد أرصدة الودائع بعد تنقية الحسابات المذكورة في المادة الخامسة من هذا المشروع (الأصول غير المنتظمة) وتصحيحها. في رأينا، يجب أن تبقى أحكام التعميمين الأساسيين الرقم 158 و166 سارية المفعول خلال فترة لا تقل عن ستة أشهر وفقاً للآلية المعتمدة لتنقية هذه الحسابات.
الفرق بين تقييم المصرف ومراجعة جودة الأصول (AQR)
ورد في القانون الرقم 23 تاريخ 14 آب 2025 المتعلق بإصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها أن تقييم كل مصرف يرتكز على معايير التقييم الدولية والمعايير الدولية للتقارير المالية، مع مراعاة المتطلبات والتعليمات الاحترازية الصادرة عن مصرف لبنان؛ مع الإشارة إلى أن هذه المتطلبات ألغيت في مشروع القانون وتم الإبقاء على عملية تقييم كل مصرف.
في المقابل، ورد في مشروع القانون المذكور أعلاه وجوب أن يخضع كل مصرف، بصورة مستقلة، لمراجعة جودة الأصول (AQR) تجرى بواسطة شركة تدقيق دولية وفقاً للمعايير الدولية، وذلك قبل تنقية الحسابات المذكورة في المادة الخامسة منه وتصحيحها.
التقييم هو عملية تقدير القيمة السوقية للمصرف (بما فيه الأصول والمطلوبات ومن ضمنها الودائع والربحية)؛ بينما تقييم جودة الأصول (AQR) يشمل تقييم صحة الأصول (من ضمنها القروض المتعثرة).
شطب الرساميل أم تنظيف ميزانيات المصارف؟
ورد في القانون الرقم 23 تاريخ 14 آب 2025 المتعلق بإصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها أن الأموال الخاصة لكل مصرف تمتص كامل الخسائر أولاً على أساس تناسبي ضمن المرتبة الواحدة للمطلوبات وفقاً للترتيب المبين في الملحق الرقم واحد (تراتبية الأموال الخاصة والدائنين والمودعين). وفي المقابل، أكد مشروع القانون على وجوب تطبيق هذا المبدأ قبل البدء بتنفيذ المصارف إجراءات تنقية الأصول غير المنتظمة.
غير أن الحاكم كريم سعيد، وفقاً للبيان الذي صدر عنه في 23 كانون الأول 2025، رأى أن إزالة المطالبات غير النظامية من ميزانيات المصارف يجب أن يسبق الاستنزاف المنهجي أو الإلغاء الكامل لرأس المال الخاص بهذه المصارف. وقد ورد في البيان «في إطار الحفاظ على الاستقرار المالي، يبدي الحاكم تحفظات جدية، تستند إلى مبادئ قانونية راسخة، ومعايير محاسبية معتمدة، وسوابق دولية، إزاء أي مقاربة من شأنها أن تؤدي إلى الاستنزاف المنهجي أو الإلغاء الكامل لرأس المال الخاص بالمصارف قبل إزالة المطالبات غير النظامية من ميزانياتها العمومية، وقبل التطبيق اللاحق لتدرج ترتيب المطالبات».
هذا الموقف مخالف تماماً لمبدأ تراتبية توزيع المسؤوليات وتحمل الخسائر بدءاً من المساهمين العاديين وصولاً إلى الدائنين الأعلى مرتبة كما ورد في القانون الرقم 23 المشار إليه أعلاه، وللأنظمة الرئيسية لمجلس الاستقرار المالي (Financial Stability Board) المتعلقة بمعالجة الأزمات المصرفية والتي وضعها لأول مرة في تشرين الأول 2011 والتي صادقت عليها مجموعة العشرين (G20) في مدينة كان (فرنسا) في تشرين الثاني 2011، مع الإشارة إلى أن هذه الأنظمة قد تم تحديثها من قبل المجلس المذكور في 25 نيسان 2024.
الأصول غير المنتظمة
لأغراض تطبيق القانون المتعلق بالانتظام المالي واسترداد الودائع، تم تقسيم هذه الأصول إلى سبع فئات. ورغم عدم وجود أرقام دقيقة لكل فئة، من المفيد التطرق إلى الأمور التالية الواردة في هذه المادة:
أولاً (الفئة الرابعة من هذه الأصول):
هي الحسابات التي تجاوزت قيمتها المئة ألف دولار أميركي والتي شهدت زيادة في أرصدتها الإجمالية ما بين 17 تشرين الأول 2019 و30 أيلول 2025 عن طريق: (أ) التحويل من الليرة اللبنانية إلى أي عملة أجنبية بسعر متدنٍ عن سعر السوق، بما فيها السعر ما بين 1507 و1515 ليرة لبنانية للدولار الأميركي الواحد أو (ب) عن طريق شراء أو إيداع شيكات مصرفية بالدولار المحلي أو تحويلات داخلية بين المصارف بالدولار المحلي.
يقول المحامي نصري دياب في دراسته «ملاحظات قانونية أولية على مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع» تاريخ 19 كانون الأول 2025 ما يأتي: «أما شراء شيكات مصرفية بالدولار المحلي بين شخصين، فهو بالمبدأ عمل لا يضر بكل المودعين، بل هو عملية رضائية بين طرفين؛ فقد لا يكون هناك داعٍ لإعادة النظر فيه».
هذا العمل يضر أولاً بالمودع الذي باع الشيك المصرفي. فلولا حاجته إلى دولارات لم يؤمنها له المصرف حيث وديعته، لما كان باع الشيك المصرفي بأقل من قيمته الحقيقية بخسارة ما بين 83% إلى 90% من الوديعة بالدولار الأميركي التي كانت «فريش» قبل 17 تشرين الأول 2019 وصارت دولاراً محلياً بعد هذا التاريخ كما يستدل من هذا المشروع. إن استغلال الظروف الصعبة لإجبار شخص على القيام بعملية بيع شيك مصرفي يُعد إكراهاً (under duress) بموجب القانون. كما إنه يعتبر إثراء غير مشروع حققه الشخص الذي اشترى الشيك المصرفي.
القروض والتسهيلات
اعتبرت الحكومة في مشروعها أن القروض والتسهيلات التي تتجاوز أرصدتها 750 ألف دولار، والتي سُدّد أي منها بالليرة اللبنانية بسعر متدنٍ عن سعر السوق، من ضمن الأصول غير المنتظمة مع استثناءات «غريبة عجيبة» على أن يصار إلى مطالبة المدين بتسديد تعويض استثنائي بنسبة 30% من الدين بالدولار الأميركي وعلى أن يسدد خلال فترة لا تتعدى الخمس سنوات من تاريخ نفاذ هذا القانون لمصلحة حساب تسديد الودائع لدى مصرف لبنان.
نشر صندوق النقد الدولي في نهاية حزيران 2023 تقريراً حول مشاورات المادة الرابعة مع لبنان وقد ورد فيه أن الانخفاض في القروض المصرفية بالعملات الأجنبية أدى إلى خسارة للمودعين وانتقال الثروة إلى المدينين. وبما أن عدداً من القروض بالعملات الأجنبية قد دُفع بالليرة اللبنانية بالسعر الرسمي للدولار، بدلاً من السعر في السوق الموازي، حصل المدينون على دعم ضمني (implicit subsidy) قدّره الصندوق بحوالى 15 مليار دولار أميركي بين آذار 2020 وكانون الثاني 2023. أضاف الصندوق في هذا التقرير أن تسديد القروض بهذه الطريقة أدى إلى انخفاض في موجودات المصارف بالعملات الأجنبية وفي الودائع القابلة للاسترداد (الصفحة 14 من التقرير). وقد بنى صندوق النقد الدولي تقديره لهذا الدعم الضمني على أساس معلومات مصرف لبنان. ما يعني أن مبالغ القروض والتسهيلات المسددة بأقل من قيمتها الحقيقية، موجودة لدى مديرية المصارف ووحدة التمويل في مصرف لبنان ولدى لجنة الرقابة على المصارف. وعليه نسأل الحكومة ما هو المبلغ المتوقع أن يسدده المدينون على فترة خمس سنوات مقابل الدعم الضمني الذي حصلوا عليه والبالغ 15 مليار دولار أميركي بحسب تقدير صندوق النقد الدولي؟؛ علماً أن قيمة هذا الدعم قد تكون أصبحت أكثر من 20 مليار دولار أميركي حتى أيلول 2025 وهي في النهاية خسارة كبيرة سيتحملها المودعون.
يُشار إلى أن عدد كبار المدينين (بالليرة اللبنانية والعملات الأجنبية) ضئيل جداً بالمقارنة مع عدد حسابات الودائع البالغ حوالى مليونين وثمانمئة ألف حساب بكل العملات كما في 31 كانون الأول 2019 منها مليونان وستمئة وثمانون ألف حساب عائدة لودائع أقل من 200 ألف دولار أميركي. بمعنى آخر، يكون عدد كبار المدينين، الذين انتقلت ثروة المودعين إليهم، ضئيل جداً في المقارنة مع العدد الكبير من المودعين الذين خسروا هذه الثروة.
احتمال مقاضاة المتضررين
ستفتح إجراءات تنقية الحسابات المذكورة في المادة الخامسة من المشروع وتصحيحها المجال لإقامة دعاوى من قبل المتضررين منها، وبالتالي لإعادة احتساب الفجوة المالية بمفعول رجعي في حال ربحوا الدعاوى، مع الإشارة إلى أن أحد المسؤولين الحكوميين عن إقرار هذا المشروع يعتقد أن القانون يسمح بالإجراءات المتعلقة بالأصول غير المنتظمة لأن الأزمة نظامية وشمولية.
إضافة إلى ما ورد أعلاه، ألا يعتبر ما تقوم به المصارف حالياً بالاشتراك مع مصرف لبنان من دفع الوديعة على أساس سعر 15 ألف ليرة لبنانية للدولار الأميركي الواحد بدلاً من سعر صيرفة (89,500 ليرة لبنانية) من العمليات أو الأصول غير المنتظمة وفقاً للتعريف الوارد في المادة الثانية من المشروع؟
أخيراً، أين العدالة في انتقال الثروة من عدد كبير من المودعين إلى عدد محدود من كبار المدينين؟ أين العدالة في تشريع هندسة مالية استفاد منها المدينون على حساب المودعين؟ وما الفرق بين هذه الهندسة المالية وهندسات رياض سلامة المالية بكل أشكالها؟
ببساطة، لا يوجد عدالة ولا فرق؟
* عضو سابق في لجنة الرقابة على المصارف



