الزواج المدني عن بُعد لبنانيّاً: باقة مقاربات قانونية وسياسية (النهار 5 أيلول)

لا يخفت السجال القائم حول “الزواج المدني” كعنوان إشكاليّ تدخل فيه الاعتبارات السياسية والدينية المتشعّبة. ويُلاحَظ أنّ بعض النواب ابتعدوا عن الغوص في “طقوسه” ومقاربة تفاصيله، بعد انتقادات تعرّضوا لها وصلت الى حدود الشيطنة. ويتمحور السؤال حول الجهات النيابية التي يمكن أن تأخذ على عاتقها التقاط “باقة زهور” مفهوم الزواج المدني وتأييده برلمانياً. وتتبدّل التموضعات سريعاً عند الحديث عن هذا الموضوع. ويمكن للأقرب سياسياً على صعيد استراتيجيّ بين الكتل البرلمانية، أن يغيب عن تقديم هدايا المواقف بمناسبة دعم كتلة حليفة للزفاف المدني. وكان للعرس المعقود في ضهور الشوير بصيغة افتراضية أن شكّل نموذجاً ظهّر اختلافات في النظرة الى معطى جديد، باعتبار أنّه جرى على الأراضي ال#لبنانية على رغم عدم توقيعه داخلياً. وإذ يشمل التعارض حول مفهوم الزواج المدني الحلفاء على شتى المقالب السياسية قبل الخصوم منهم، فماذا في الجدل القائم حول رفض البعض للفكرة عموماً كما إقامته عن بُعد وعلى “أرض لبنانية”؟
عموماً، لم تصل معالجة الاشكاليات العامة حيال موضوع الزواج المدني حديثاً إلى طاولة بحث رسمية مستديرة، فيما تقتصر النقاشات على المداولات المجتمعية أو الدينية أو السياسية. وتشير معطيات “النهار” إلى اعتزام تحريك عنوان الزواج المدني على طاولة التداول على صعيد لجنة حقوق الانسان النيابية. ويؤكد مقرّر اللجنة النائب نزيه متى أنه “لا بدّ من الدخول في موضوع الزواج المدني على صعيد اللجنة لناحية النقاش أقلّه قريباً، في وقت يتعين أن يصل لبنان عاجلاً أم آجلاً إلى احترام الخيارات والنقاش مع معارضي الفكرة للوصول إلى نقاط مشتركة”، لافتاً إلى أن “لبنان بلد تعدديّ ويفترض احترام خصوصيات الجميع. وهناك إمكان الوصول الى زواج مدني اختياري في لبنان، خصوصاً أن الزواج قائم خارجاً ويُعترف به داخلياً بطريقة غير مباشرة. ويمكن تفادي التأويلات اذا احترم كلّ شخص خصوصية المذهب الآخر”. ويقرأ متى أن “الحديث عن الزواج المدني قد يؤدي الى اختلافات بين أقوى الحلفاء السياسيين إذا لم يراعوا ظروف بعضهم البعض. ولم نصل بعد في اللجنة إلى فرز الآراء بين الأعضاء المؤيدين أو المعارضين. وفي رأيي، يجب أن يكون الموضوع بعيداً عن السياسة”.
تضاعِفُ الحالة الجديدة المتمثلة بتوقيع عقد الزواج عن بُعد الأسئلة والاختلافات في وجهات النظر، فيما كان لبنان رفض التعليم “أونلاين”، فهل يمكن أن يرفض الزواج عن بُعد بمخرج يحمل بُعداً قانونياً؟ تتعدد المقاربات التي توافق أو تنفي هذه الفرضية. وينطلق شرح المعادلة تاريخياً من الإشارة إلى القانون 60 ل. ر. الصادر في آذار 1936 عن المندوب السامي الفرنسي، والذي لا يزال قائماً لجهة تطبيق القانون المدني على الزيجات التي تُعقد بالصيغة المدنية خارج لبنان. وكانت المساعي قائمة حينذاك لتطبيق القانون المدني نفسه على اللبنانيين الذين لا ينتمون إلى طائفة (انفصلوا عنها أو شطبوا مذهبهم)، لكن السلطات اللبنانية أحجمت عن ذلك لاعتبارات متعلقة باللغط القانوني الداخلي حول ما اذا كان هناك أفراد لبنانيون يتموضعون فعلياً خارج طوائف أو مذاهب حتى بعد شطب المذهب في سجلات القيد. ولم يعتقد البعض حينذاك أن شطب المذهب يعني أن الفرد أصبح خارج مذهبه. وقد حصل الاستثناء في عهد وزير الداخلية مروان شربل، مع تسجيل حالات للزواج المدني في لبنان بالاستناد إلى مشورة الهيئة العليا للاستشارات في وزارة العدل والتي كان يساندها وزير العدل سابقا شكيب قرطباوي. ثم توقّف تسجيل الزيجات المدنية لدى المديرية العامة للأحوال الشخصية بعد انتهاء حقبة شربل.
لكن السؤال بات أيضاً أبعد مما إذا كان الزواج يُقبل في لبنان أو خارجه، ليتحول الآن: هل عقد زواج ضهور الشوير في لبنان أو في الخارج على الطريقة الافتراضية؟ يتساءل الخبير القانوني المحامي عادل يمين لـ”النهار” حول “كيفية قبول عقد زواج معقود داخل لبنان وبالصيغة اللبنانية على يد قاضٍ أجنبيّ من الناحية العملية، إذا كان عقد الزواج المدني داخل لبنان لا يجد طريقه إلى التسجيل في دوائر النفوس أساساً؟”، معتبراً أن “هناك إشكالية موضوع السيادة اللبنانية ومدى اختصاص مرجع مدني أجبني للمصادقة على عقد مدني يجري داخل الأراضي اللبنانية ويوقّع في الخارج”. ويقول يمين إنه “عندما وُضع القانون 60 ل. ر. لم يكن هناك صيغة زواج عن بُعد، لكن الاعتراف اقتصر على الزيجات المدنية المعقودة خارج لبنان أو داخله”، مضيفاً أن “قانون المعاملات الالكترونية صدر وتم تداول العقود عن بُعد، لكن عقد الزواج يتعلّق بالنظام الطائفي اللبناني ويرتبط بأحكام النظام العام وله خصوصيته وشروطه ومزاياه. ولم تتطرق القوانين المحدثة إلى الزيجات عن بُعد حتى الآن، ولا أرضية واضحة لرعاية هذه الحالة التي تسجّل للمرة الأولى مع مجموعة تحديات. فهل يتم التسليم بأن الزواج حصل خارج لبنان ويُقبل تسجيله، أم يُعتبر داخل الأراضي اللبنانية وتُرفض صيغته؟”.
من جهته، يعبّر الناشط الحقوقي المحامي شكري حدّاد عن مقاربة مغايرة تؤكد صوابية الاعتراف بالزواج عن بُعد، في قوله لـ”النهار” إنه “لا يمكن التحدّث عن عوائق محليّة من شأنها أن تعيق الزواج الحاصل عبر تقنية الفيديو عن بُعد. ولا تشكل أي اعتراضات داخلية قد تطرأ أكثر من مجرّد ضوضاء، باعتبار أن عقد الزواج سيوقّع خارجاً. وترتبط مسألة السيادة بالدولة التي أبرمت عقد الزواج وليس بالمكان الحضوريّ. ويتمثل السؤال في ما إذا كانت الدولة التي أبرمت عقد الزواج تضع موانع للاستفادة من التوقيع الالكتروني أو تقبل به”، لافتاً إلى أنه “حصلت تعديلات تشريعية في بلاد عدّة بعد جائحة كورونا متعلّقة بالانتقال من التوقيع الحضوري الورقيّ إلى التوقيع الالكتروني. وفي وقت تحصل الجلسات عالمياً عبر تقنيات تطبيق “زوم” على سبيل المثال، فإن حضور القضاة لإبرام أي عقد زواج من خلال تقنية الفيديو، يعني أن البلد أو المحلّة الجغرافية التي ستوقّع فيها عقود الزواج تشملها التعديلات التشريعية للانتقال إلى التوقيع الالكتروني. ولا يحضر القاضي الذي سيبرم عقد الزفاف لو لم تكن التعديلات التشريعية قائمة”. ويؤكد حدّاد أنه “لا بدّ من التطلع إلى القوانين التي ترعى عقد الزواج في البلد الذي سيوقّع فيه، مع الإشارة إلى أن نظام التوقيع الالكتروني حضر في لبنان ولكن لم توضع مراسيمه التطبيقية. وطالما أن عقد الزواج أُبرم خارجاً، فإن الدولة اللبنانية ستطبّقه حتى وإن كان قد اعتمد تقنية التوقيع الالكتروني”.



