أخبار لبنانابرز الاخبارمقالات خاصة

خاص – جباعي يجري قراءة شاملة لإدراج لبنان على القائمة الرمادية

كتب الخبير الإقتصادي د. محمود جباعي لـLeb Economy:

الخبير الاقتصادي د. محمود جباعي

أجرى الخبير الإقتصادي د. محمود جباعي قراءة شاملة لموضوع إدراج لبنان على القائمة الرمادية، وجاء فيها الآتي:

من الناحية السياسية، يعكس التصنيف الدولي حاجة لبنان الملحة لتبني سياسات إصلاحية جذرية تعزز من الشفافية وتحد من ممارسات الفساد. كما يُظهر عجز الدولة عن تنفيذ إصلاحات مالية وهيكلية كان من شأنها تحسين البيئة الاستثمارية وضمان تعاون طويل الأجل مع المؤسسات المالية الدولية. بهذا، تواجه الحكومة اللبنانية تحدياً كبيراً يتمثل في استعادة ثقة المجتمع الدولي وطمأنة اللبنانيين حول استقرار القطاع المالي في مواجهة هذه الضغوط. من هنا، تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الآثار المترتبة على تصنيف لبنان في القائمة الرمادية، وتبيان الاستجابات المطلوبة من القطاع المصرفي اللبناني لتعزيز امتثاله للمعايير الدولية، وكذلك مناقشة الخطوات الضرورية لاستعادة لبنان لمكانته المالية ضمن النظام المالي العالمي.

أولا- تداعيات إدراج لبنان على القائمة الرمادية

قبل الحديث عمّا إذا كان لبنان سوف يتأثّر سلبا بهذا القرار، علينا التذكير بالظرف السياسي الّذي يمرّ به البلد، وبالتالي السؤال الأهمّ هو: لماذا الآن؟ ما هي المتغيّرات الّتي جعلت هذا القرار أمرا واقعا؟ لم يتغيّر شيء في الوضع الاقتصادي العام، وبالتالي لا مبرّر جدّي لحصول هذا القرار إلّا لاستخدامه كأداة ضغط على لبنان لإلزامه على تقديم تنازلات بالسياسة والأمن في خضمّ الحرب الشرسة الّتي يشنّها العدوّ الإسرائيلي على لبنان. ويمكن اعتبار ادراج لبنان على تلك اللائحة بأنه تحذير من الاستمرار بتجاهل المطالب الدولية، خصوصاً ان المحادثات التي كانت جرت في الأشهر الماضية تناولت موضوع الشغور في رئاسة الجمهورية، وعدم انتظام العمل في بعض مؤسسات الدولة اللبنانية، وغياب الأحكام القضائية في ملفات غسيل اموال، لتأتي الحرب وترفع من مستوى الضغوط الدولية على لبنان في هذا المسار المالي ايضاً.

وما يؤكّد هذا الرأي، هو أنّ القرار يذكر ولا ينكر أنّ مصرف لبنان قد قام بواجباته نتيجة الالتزام بالمعايير الدولية في الشفافية وتطبيق الاجراءات المالية العالمية. وهو ما يمنع وجود أي تأثير او تداعيات على المسار النقدي في لبنان والتحويلات المالية، التي ستبقى على حالها، خصوصاً ان حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري نجح في تثبيت علاقات لبنان مع المصارف الدولية المراسلة الستة، التي ستستمرّ بتعاملها مع لبنان، نتيجة التزام المركزي والمصارف بمسار الشفافية والمعايير التي تضعها “فاتف” والمؤسسات المالية العالمية.

بالمحصلة، لا تأثير للقرار على التحويلات المالية، ولا على علاقات لبنان بالمصارف والمؤسسات الدولية، فقد كانت الإمارات العربية موجودة في تلك اللائحة قبل نجاحها في الخروج منها خلال الأشهر القليلة الماضية، بينما بقيت تركيّا ودول اخرى على اللائحة نفسها، وتمّ ادراج موناكو في حزيران الماضي إلى القائمة الرمادية.

ثانيا- استجابة مصرف لبنان

وضع مصرف لبنان معايير صارمة للامتثال من أجل تعزيز الشفافية، مما ساهم في تحسين العلاقات مع المصارف المراسلة. وتضمنت هذه الإجراءات متابعة دقيقة ومستمرة للمصارف المحلية لضمان التزامها بالمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. كما أنّه تعاون مع الهيئات المالية الدولية لضمان استيفاء المعايير المطلوبة. وقد أثنى المجتمع الدولي على هذه الجهود سابقًا، خاصة في تعزيز التزام لبنان بالتوصيات المتعلقة بالشفافية المالية. وقد عزّز المصرف إجراءات المراقبة على التحويلات المالية المحلية والدولية، كما وضع سياسات لإلزام المصارف بتقديم تقارير حول المعاملات المالية الكبيرة والمشبوهة. وقام بتقديم دورات تدريبية لرفع وعي المصرفيين حول مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتشجيع المصارف على تبني أفضل الممارسات العالمية.

واتّبع المصرف المركزي أيضا استراتيجية الحفاظ على العلاقات مع المصارف المراسلة، بحث عمل على تقديم إطار مرن يمكن للمصارف اللبنانية من خلاله تقديم تقارير دقيقة وشفافة توضح أن لديها أنظمة قوية للرقابة والامتثال. وحافظ على التزامه بتوصيات FATF وهو ما من شأنه تخفيف الأثر المباشر للقرار وتقديم لبنان كدولة قابلة لإصلاح بنيتها التحتية المالية. من جهة أخرى، عمل مصرف لبنان على تسهيل المعاملات المالية للمغتربين اللبنانيين، الذين يشكلون مصدراً هاماً للعملة الصعبة. وذلك من خلال التفاوض مع المصارف المراسلة لتقليل القيود على التحويلات المالية، ممّا يساهم في تأمين احتياطي عملة صعبة كافٍ لدعم الاستيراد ومنع نقص السيولة الأجنبية، مما يعزز استقرار السوق المحلية في ظل الضغوط الدولية.

ثالثا- دور الدولة وأهمية الالتزام بمعايير FATF

تعتبر الإصلاحات الهيكلية ضرورية لتعزيز كفاءة النظام المالي، بما في ذلك تحديث البنية التحتية المالية والتكنولوجية. كما يساعد الالتزام بالإصلاحات على تعزيز الثقة بين الدولة والمصارف، مما يسهل إقامة علاقات مصرفية متينة ومستدامة. وبالتالي، تتمكن الدولة من الحفاظ على قدرتها على الوصول إلى الأسواق المالية الدولية، مما يساهم في جذب الاستثمارات الأجنبية وتسهيل التجارة الدولية.

فإذن، على الدولة أن تعمل على القيام بالإصلاحات اللّازمة وذلك بهدف تقليل المخاطر المرتبطة بالمعاملات المالية، مما يزيد من استقرار النظام المالي بشكل عام لكي تصبح أكثر قدرة على التعامل مع الأزمات المالية، حيث تكون لديها نظم مالية مرنة وفعالة. كما أنّه من الضروري العمل على مكافحة الفساد، حيث يسهل الكشف عن الممارسات غير القانونية ويعزز من المساءلة. فبناء قطاع مالي قوي يتطلّب وجود هياكل حكومية فعالة، تشمل تنظيمات وضوابط مالية مناسبة لضمان تطبيق القوانين والمعايير المالية بشكل صحيح. ويجب أن تكون هناك آليات للمساءلة والمراجعة لضمان أن المؤسسات المالية تعمل وفقًا للمعايير المتفق عليها، مما يسهم في بناء نظام مالي موثوق.

الخاتمة والتوصيات

من الطبيعي أن يقلق البعض من قرار وضع لبنان على اللائحة الرماديّة، ولكن هذا القلق أو الخوف لا مبرّر له إذا ما تمّت معرفة أسباب هذا القرار وما هو الوضع المالي العام في البلد. من الواضح أنّ المصرف المركزي قد اتّخذ اللّازم لحماية الوضع المالي للاقتصاد، ولكن ما أنجزه المصرف لا يعفي الدّولة اللّبنانيّة والسلطة الحاكمة من المسؤوليّة، إن كان مسؤوليّة الوصول إلى هذا الوضع أو مسؤوليّة معالجته. وللتمكّن من تفادي سلبيّات ومخاطر هذا القرار، يمكننا اقتراح السياسات أو الخطوات التالية:

1) تعزيز التواصل بين المؤسسات المالية والجهات الحكومية لضمان تطبيق الدولة لما هو مطلوب.

2) التركيز على الإصلاحات الهيكلية ممّا يضمن استقرار النظام المالي ويعزّز من القدرة على الوصول إلى الأسواق المالية العالمية.

3) تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، من خلال تطبيق معايير صارمة لمكافحة الفساد، مما يسهم في بناء الثقة بين جميع الأطراف.

4) تطوير استراتيجيات طوارئ للتعامل مع الأزمات المحتملة، لضمان استمرارية الأعمال والحفاظ على الاستقرار المالي.
ومن المتوقع أن تلتزم الدولة اللبنانية بالتوصيات، خاصة إذا ما تمّ انتخاب رئيس للجمهورية قريباً وانتهت الحرب وتشكلت حكومة جديدة تلتزم بمعايير الشفافية المطلوبة من المجتمع المالي الدولي. مع الإشارة إلى وجود بوادر انفتاح عربي ودولي على لبنان، كما حدث في مؤتمر باريس الذي استطاع تأمين أكثر من مليار دولار دعماً للبنان، مما يؤكد أن المجتمعين الدولي والعربي لن يتركا لبنان، سواء من خلال المساعدات أو في الأمور المالية والسياسية.

المصدر
خاص Leb Economy

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى