تفكيك الجامعة وتهجير أساتذتها!

كتب إبراهيم حيدر في” النهار”:
لا أحد كان يراهن بالفعل على أن مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة قبل أن يتحول إلى تصريف الاعمال، أنه سيقر ملفات الجامعة اللبنانية أو على الأقل يناقش أوضاعها ويبت بملف التفرغ، ذلك أن أي مراهنة لا تبنى في الأساس على التمنيات فيما الوقائع تدل على أن الحكومة ومعها كل القوى السياسية والطائفية وأولئك الذين يزايدون على أهلها، لم تتغير نظرتهم إلى هذه المؤسسة كمكان للتنفيعات والتوظيف السياسي، وهو ما كان واضحاً في طريقة تعامل الحكومة بالتضامن والتكافل وممثلي القوى السياسية، مع قضايا الجامعة ومطالبها التي طرحها وزير التربية والتعليم العالي، فسقطت باعتبارها ليست من الاولويات أمام خطة التعافي الاقتصادي المهرّبة في الجلسة الأخيرة ورفع اسعار الاتصالات وزيادة أجر الجلسة لمراقبي الكازينو، ليتبين أن السلطة بكل مكوناتها غير مكترثة لوجود الجامعة إلا إذا كانت ملفاتها تضمن التوزيع السياسي والطائفي والتحاصص على الاسماء والكليات والعمادات ومن له كلمة الفصل في الهيمنة على بنيانها.
لم تسقط الجامعة في مجلس الوزراء سهواً، بل بقرار من السلطة، ليس بهدف مناقشة أوضاعها لاحقاً بنيوياً بل بسبب الخلافات على الحصص في الملفات المطروحة، حتى أن الحكومة رفضت اقتراح مضاعفة أجر الساعة للاساتذة المتعاقدين، وهو لا يساوي شيئاً قياساً بالتقدمات لمؤسسات أخرى. وبقي ملف العمداء معلقاً وتركت الجامعة بلا مجلس يعمل مع رئيسها لإعادة تنظيم شؤونها، ليس لأن الحكومة تريد تفعيل هذا المجلس الاكاديمي بل بسبب الخلاف على حصص الكليات والتوزيع الطائفي والمذهبي، فيما ملف تفرغ المتعاقدين لم يقطع نتيجة ربطه بالملفات الأخرى، فتخلت السلطة ايضاً عن الكادر التعليمي الذي جاءت بقسم كبير منه إلى الجامعة تحت عناوين التوظيف والتقاسم تبعاً للسيطرة على الفروع والكليات. وهكذا عادت الامور إلى نقطة الصفر لتصبح الجامعة بلا موازنة تلبي الحد الادنى من حاجاتها ولا اساتذة قادرين على متابعة التدريس الجامعي في شكل يليق بهذه المؤسسة الاكاديمية، فيما المجمعات تنزف بلا ميزانية للصيانة ولا حتى تأمين المتطلبات الضرورية للتعليم الحضوري.
وعلى الرغم من أن الاساتذة، المتفرغين والمتعاقدين، نفذوا إضرابات متتالية وأوقفوا الاعمال الاكاديمية، إلا أنهم اصطدموا بسد منيع من أهل السلطة رفضاً لإقرار مطالبهم، وهي لا تحمّل الخزينة أعباءً كبرى، فعادوا الى التعليم قبل أن تُدفن الجامعة حية، وتضيع مكتسباتها التاريخية التي وحدها مع رصيدها يؤمنان استمرارها بالقوة، لكن الأزمة أيضاً والمأزق طالا أهل الجامعة وحركتهم النقابية التي باتت على الهامش بفعل ما ارتكبته القوى الطائفية والسياسية من مآثر جعلت كل مجالسها الديموقراطية مجرد هيئات تابعة، مع إداراتها المتعاقبة وهو ما اوصلها إلى هذا الواقع المزري، فتركتها السلطة لمصيرها وتخلت عنها وهي لا تسمح بإعادة هيكلتها وإصلاحها لإعادة نهوضها من جديد.
وأمام ما يُحاك للجامعة، ليس أمام أهلها من كادر تعليمي وطلاب وموظفين ومدربين، إلا التضامن والتعاضد لتمرير هذه المرحلة الصعبة وإعادة الانتماء إلى الجامعة، خصوصاً وأن رئيسها الحالي يسعى من خارج الأجندات السياسية والطائفية للحفاظ عليها وإعادة تمكينها، والمهم هو تأمين مقومات تعزز صمودها أمام موجة التهجير، والتي يبدو أن السلطة مستمرة بها ولا تكترث لكل التحولات المجتمعية والتغيير في الانتخابات الذي يبنى عليه في الجامعة أيضاً للمستقبل.



