أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

في تأخير القوانين تذاك على صندوق النقد او رهان على “سذاجته”؟ (النهار ٢٢ تشرين الثاني)

رغم الحجم الهائل للضغوط الدولية على لبنان من اجل تسريع اقرار الإجراءات الإصلاحية المطلوبة منه تعبيداً للطريق امام البرنامج المرتقب مع صندوق النقد الدولي، ورغم الحجم المماثل للأزمة الاقتصادية والمنتقدين والمصرفية التي تستدعي السير من دون أي إبطاء في هذه الإجراءات الهادفة الى لجم الانهيار المتسارع للأوضاع، فإن السلطات اللبنانية، التشريعية منها كما التنفيذية، تستغرق وقتاً غير متاح في نقاشات واجتهادات تفتقد الى قوة الاقناع تحت شعارات ساقطة كشعار حماية المودعين الذي يتم استهلاكه حالياً في سياق النقاش الجاري في البرلمان لمشروع القيود على التحويلات.

لم تصل اللجان المشتركة التي اجتمعت أمس الى مرحلة اقرار هذا المشروع المعروف ب”الكابيتول كونترول”، ولا تزال ذرائع النواب تقف عند نقاط يمكن ان تكون ذات اهمية، ولكنها لا تبرر التأخير الحاصل في اقرار المشروع الذي خضع الى سلسلة من التعديلات والتحديثات منذ ان طُرحت صيغته الاولى على طاولة مجلس وزراء حكومة حسان دياب قبل ثلاث اعوام. علماً ان هذا المشروع يشمل مطلباً اساسياً لصندوق النقد من خلفية مخاوف الصندوق من عدم وجود ضوابط على الأموال التي سيتم تحويلها من الخارج لدعم لبنان، ومخاطر اعادة تحويلها.

يتعامل الصندوق مع لبنان بكثير من الجدية التي تفرضها مسؤوليته ودوره في مساعدة الدول الرازحة تحت اعباء أزمات اقتصادية ومالية. لكن المشكلة ان الصندوق يتوقع من السلطات اللبنانية الشفافية والتطبيق السليم للاصلاحات المطلوبة، على ما يقول مصدر نيابي مطلع، كاشفاً ان الصندوق يضغط الى جانب الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية على المجلس النيابي من اجل حثه على التشريع وانجاز القوانين التي لا تزال عالقة. ولا يخفي هذا المصدر قلقه من الخفة التي تتعامل بها السلطات اللبنانية مع ممثلي الصندوق، خلافاً لكل المواقف العلنية التي تصدرها وتؤكد فيها التزامها تنفيذ مندرجات الاتفاق الأولي الذي يلحظ ٨ إجراءات اصلاحية مسبقة لم يتحقق منها حتى الآن الا اثنين.

ويقول المصدر ان الحكومة تتقدم بمشاريع مفخخة، وان المجلس يقر أحياناً قوانين مختلفة عن تلك التي تم التصويت عليها، معولين كليهما على ما وصفه المصدر ب”سذاجة” الصندوق الناجمة عن عدم فهم حجم الفساد المستشري والقدرة على قلب القوانين او تفخيخها بما ينسجم مع المصالح الخاصة. ويبدي المصدر قلقه مما ستؤدي اليه هكذا ممارسات من نتائج سلبية اذا لم ترفق القوانين بضوابط تحميها من الممارسات الفاسدة او الخاطئة في القطاع العام وفي الادارة في ظل غياب المحاسبة الحقيقية. ويتوقف المصدر عند اقرار قانون الموازنة العامة كمثال على النتائج السلبية المُحتملة لاقرار مشروع تحت الضغط، ومن دون ان يترافق مع اي رؤية او استراتيجية واضحة. وقد بدأت بالفعل الارتدادات السلبية لتنفيذ الموازنة تظهر وسط التخبط حيال المراسيم التطبيقية التي تحدد آليات ومعايير التطبيق، او حتى السعر الموحد للصرف.

كذلك، يشكل قانون تعديل السرية المصرفية مثالاً آخر على مخاطر التطبيق. ذلك ان القانون فتح الباب امام رفع السرية من دون حماية المعلومات التي سيتم تسريبها وربما كشفها من دون أي طائل قانوني.
وفي حين يتذرع النواب بالعمل الحثيث لاقرار مشروع الكابيتال كونترول تلبية لشروط صندوق النقد، يظهر من المناقشات الجارية على مستوى اللجان ان اوان الإقرار لم يحن بعد، علماً ان هذه ليست المشكلة الوحيدة امام وضع القانون حيّز التنفيذ، بل هناك مشكلة التشريع في ظل تحول المجلس الى هيئة ناخبة.
الى اي حد يمكن ان يتأثر لبنان بعد من المماطلة والاستهتار الداخليين، وهل من شأن ذلك ان يؤثر على التعاطي الدولي معه، ولا سيما في ما يتصل بالبرنامج المزمع توقيعه مع الصندوق؟

يعترف المصدر النيابي بوجود مشكلة حقيقية في هذا الموضوع، تغيب عنها القوى السياسية او تتعمد تغييبها من خلال الاستخفاف الظاهر في مقاربة مسألة التوقيع مع الصندوق. وثمة من يعتبر ان هذا الأداء متعمد بهدف تطيير البرنامج، تحت مبرر رفض الخضوع للوصاية الدولية عموماً والاميركية في شكل خاص، وان حجم الدعم المقرر والبالغ ٣ مليارات دولار لا يشمل حافزاً للمضي في هذا المسار، اذ يمكن لبنان ان يوفر هذا المبلغ مع بعض الاستقرار. لكن الصورة هي غير ذلك وفق المصدر الذي يؤكد الأميركيين حريصون على استمرارية مؤسسات الدولة والمرافق العامة. ولهذا السبب، يعمدون الى توفير المساعدات للمؤسسات العسكرية. وبحسب المعلومات المتوافرة لدى المصدر، فإن المليارات الثلاث الموعودة من الصندوق ستهدف في شكل أساسي لنأمن استمرارية دفع الرواتب للقطاع العام لتأمين الاستمرارية فيه رغم كل المآخذ على أدائه وفساده وعدم إنتاجيته، لأن هذا هو السبيل الوحيد المتاح لتفادي تسليم الدولة ل”حزب الله”. من هنا، يتجه الضغط الدولي عموماً والاميركي على وجه الخصوص نحو انجاز الاستحقاق الرئاسي، ما يتيح تشكيل حكومة جديدة والمضي في البرنامج مع الصندوق.

بواسطة
سابين عويس
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى