ارتفاع أسعار الكحول بنسبة 233% ينعكس على الجودة في المقاهي والملاهي (النهار 16 تشرين الثاني)
تسممٌ ورقابة غائبة!

كتبت أيسامار لطيف في ” النهار”:
“شو بدك بالطلعة، كيف بتوثقي تاكلي وتشربي برا بهالأيّام؟”، هذه العبارة التي يُردّدها والدي في كلّ مرّة أذهب فيها إلى مطعم أو ملهى ليلي بهدف الترفيه عن نفسي والهروب من مشاكل البلد اليومية، فهل من علاج أفضل من الجلوس مع الأصحاب في وسط بيروت؟ للأسف اكتشفت أنّه يوجد! فوجودي في هذا البلد بحدّ ذاته مأساة، على الأقل لأكون بصحّة جيّدة.
في لبنان، لم يعد شيء مضموناً، فحتّى الشرب أصبح مختلطاً بالسموم والجراثيم وما من رقيب أو حسيب! لم يعد يُخفى عن الجميع اليوم ما يُعاني منه قطاع المطاعم والملاهي في ظل انقطاع الكهرباء المستمر وغلاء الأسعار الجنونيّ، ما يرجح أن ينعكس تراجعاً في نوعية المأكولات والمشروبات وجودتها تحت شعار “مش عم توفّي معنا”، إلّا أنّه ما ليس مقبولاً هو الاستخفاف بحياة المئات لا بل الآلاف بسبب غياب مسؤولية المعنيين وجشع التجار وطبعاً طمع أصحاب المحلات الذين لم يوفرّوا جهداً في “صبّ الزيت على النار” لحرق ما تبقّى من سياحة في بلد كان يوماً وجهة السيّاح الأولى.
قبل أيّام، كان عيد ميلاد صديقتنا، فقرّرنا الاحتفال بها بطريقة بسيطة في منطقتنا المعتادة، الجميّزة. “تزيّنا وتوجهنا إلى مكان شهير هناك للسهر، إلّا أنّني لم أدرك أنّ تلك السهرة ستتسبّب بمرضي وعدم قدرتي على المشي لـ24 ساعة!
تناولت الكأس الأول، ومن حديث لآخر طلبت الثاني، ومع كلّ رشفة كنت أشعر بنكهة “الحموضة” وكأنّني أشرب السمّ وأستمتع به في الوقت نفسه، أنهيت سهرتي وعدت إلى البيت ليبدأ الوجع وعوارض التسمّم، فقلت لنفسي: “لا داعي للهلع”، واستيقظت في اليوم التالي وذهبت كالمعتاد إلى العمل، وهناك المعاناة الحقيقية، ما بين اضطراري إلى إنهاء الأعمال وتسليمها في الوقت وما بين مرضي والعوارض التي كنت أشعر بها وأحاول إخفاء ذلك.
لحسن الحظّ، لاحظوا عليّ ذلك في العمل، وطلبوا مني العودة إلى المنزل لأخذ قسط كاف من الراحة، وهذا ما فعلته بالضبط، إنّما الفرق الوحيد هو أنني لم أعرف الراحة في ذلك اليوم، فمنذ لحظة وصولي إلى المنزل وكأنّني تحوّلت وأصبحت إنسانة أخرى تحتضر، وبما أنّ حالتي كانت تسوء مع مرور الثواني، أخذني والدي إلى الطبيب وهناك قمت بالفحوص اللازمة وعدت إلى البيت.
طبعاً، لم تنتهِ آلامي هنا، ولم يُفدني الدواء أو المصل، بل تفاقم الوضع أكثر ولم أعد قادرة على التحرّك أو المشي، ما أثار قلق والدي، فعدنا مجدّداً إلى الطبيب حيث قضينا الليلة في أروقة المستشفى. واللافت، أنّ معظم أنواع الاختبارات غير متوفرة بسبب ارتفاع صرف الدولار، ناهيك عن اكتظاظ المستشفيات وعدم الاعتراف بالضمان أو التأمين، فهذه بحدّ ذاتها مشاكل أخرى تتطلّب تقارير أخرى. في تلك الليلة، لم أكن أعرف أن كلام والدي صحيح، وأنّني كنت على بعد خطوات من الموت ربما لو لم يلحقوا بي في اللحظة الأخيرة.
ربما يبدو ما أكتبه عادياً، فما الجديد؟ فاعتاد الشعب اللبناني على كل شيء، فما الضرر من الموت تسمّماً؟
في جولة سريعة على الملاهي والمقاهي في وسط بيروت، تبيّن لنا أنّ أسعار الكحول تتفاوت بين مكان وآخر في حين تبلغ كحدّ أقصى 50 ألف ليرة للكأس الواحد و275 ألف ليرة كحّد أقصى، أيّ بزيادة بنسبة 233%، بعدما كانت كلفة الكأس الواحد 15 ألفاً أو 20 ألفاً كحدّ أقصى.
في رأي المحاضرة بالجامعة الأميركية في بيروت ريم حمزة أنّ “الرقابة شبه معدومة اليوم بسبب الأزمات الراهنة”، موضحةً أنّ “ذلك يخضع لعوامل عدّة من شأنها التأثير على القطاع السياحي بشكل عام وإلحاق الضرر برواد المطاعم والمقاهي”.
وأضافت: “ليس بالضروري أنّ يتعرّض المواطن أو السائح في لبنان اليوم إلى التسمّم فقط بسبب نوعية الطعام، فثمة عوامل أخرى تلعب دوراً بارزاً في هذا الإطار مثل نظافة العاملين والأدوات التي تُستخدم في تقطيع أو توضيب الخضار والفاكهة أو حتّى في طريقة تخزين وحفظ تلك المواد في ظل انقطاع الكهرباء المستمرّ”.
كما أوضحت حمزة أنّ “حماية المستهلك تقوم بواجبها قدر المستطاع في ظلّ الأوضاع الراهنة، إنّما تبقى الجهود ناقصة إذا لم تقترن بمراقبة دائمة للأماكن للاطّلاع على حسن سير العمل والتقيّد بالإجراءات الوقائية حفاظاً على السلامة العامّة”.
في الموازاة، أكّد أحد تجار الكحول الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه في حديث لـ”النهار” أنّ “كمية الطلب على بعض الأصناف تراجعت بنسبة 70% وذلك بعد ارتفاع سعر صرف الدولار، إذ معظم الكحول يتمّ استيرادها من الخارج بالفريش”.
وتابع: “الكميات التي تُطلب منّا اليوم قليلة جداً فيما أعداد المواطنين الذين يقصدون الحانات والمقاهي الليلية لا تزال على حالها، فمن يجلس نهاراً مع الناس ويستمع إلى همومهم لا يصدّق أنّهم قادرون على السهر ليلاً وصرف الأموال وكأنّ البلد بألف خير، ولكن هذه عادة اللبناني فهو يحبّ الحياة ومستعدّ للدين مقابل قضاء ليلة واحدة فقط في مكان فخم”، وفق تعبيره.
وأشار إلى أنّ هذا التفاوت بين العرض والطلب القائم يُفسّر بطريقة واحدة وحسب، وهي أنّ بعض الأماكن تقوم بخلط الكحول من باب التوفير أو التلاعب بها، وهذا ما كان يحصل سابقاً في الأساس إنّما أصبح اليوم “عالمكشوف” بسبب الأوضاع الراهنة، فالتاجر لديه التزامات كما صاحب المقهى وصولاً إلى العامل، وسعر الكأس حتّى لو بلغ 275 ألفاً لا يكفي لسداد المستحقات، وبالتالي من يقول العكس فهو يكذب ويتهرّب من الحقيقة التي نعرفها جميعنا”.
في السياق، تواصلنا مع صاحب إحدى الحانات المعروفة في جونية، الذي أكّد لـ”النهار” أنّ “التكاليف ارتفت بشكل جنوني وباتت المصلحة عبارة عن خسارة لنا، لذا نضطر أحياناً إلى التلاعب ولكن ضمن المعقول، فمثلاً عوضاً عن شراء أنواع الويسكي الغالية والمستوردة التي تكبدّنا مصاريف زائدة نلجأ حالياً إلى الأخرى المحليّة التي تعتبر أقلّ تكلفة ولا يستطيع المواطن تفريقها عن تلك الفاخرة التي اعتاد عليها”.
وأردف: “هذا الحلّ الوحيد لكيّ نستمرّ، ولكن هذا لا يعني أنّ نعرّض حياة الناس إلى الخطر، فالبضاعة التي نقدّمها مضمونة 100% ولا خطر منها، وربما هناك استثناءات في بعض الأماكن الأخرى، وهم لا يحسنون طريقة تخزين تلك الكحول أو المواد الإضافية التي تستخدم فيها، ما يسبّب حالات التسمّم الكحولي وما شابه، وهذا ما نحرص على تفاديه إجمالاً ولكن الخطر يبقى موجوداً ولو بنسبة ضئيلة”.
بين الاستمتاع بالوقت والاصابة بالتسمم خيط رفيع، سبق وحذّر منه الدكتور في الجامعة الأميركية في بيروت عصمت قاسم، الذي أكد في تغريدة له أنّ “مثل هذه النتائج متوقعة في ظل غياب الكهرباء وانقطاع الوقود، وستزداد سوءاً في الأيام المقبلة”، داعياً اللبنانيين للاهتمام بـ”سلامة غذائهم”.
بدورها، أكّدت مديرة الوقاية الصحيّة في وزارة الصحّة العامّ جويس حداد لـ”النهار” أنّ “أداء مراقبة القطاع السياحي تراجع بشكل عام بسبب الظروف الراهنة ولم يعد باستطاعة المراقبين القيام بعملهم المعتاد”، مشدّدةً على أنّ “الوزارة لا تزال تتابع شكاوى المواطنين وتقوم باللازم عند حدوث أيّ مضاعفات أو حالات تسمّم”.
وتابعت: “عند ورود أيّ شكوى نقوم بخطوات عدّة تتمثل في الكشف على المقهى أو الحانة أو المطعم، تحليل الصنف الذي شكّك المواطن أنّه تضرّر منه، ومن ثمّ نبحث عن حالات مماثلة للتأكّد من صحّة الشكوى، وبعد الانتهاء يُبنى على الشيء مقتضاه وفقاً لنتائج المختبر والعيّنات التي تمّ تحليلها”.
كما لفتت حداد إلى أنّ “وزارة الصحة توقعت أنّ تكون حالات التسمّم أعلى بكثير بسبب تراجع جودة الغذاء ونوعيته، إلّا أنّ عدد الشكاوى الذي نتلقّاه أثبت العكس وهذا نتيجة عوامل عدّة منها عدم وجود أماكن شاغرة في المستشفيات التي عادةً كانت تبلغنا بهذه الحالات”.



