أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

لقاء لرؤساء البلديات الكاثوليك في زحلة برعاية عقيص…تنسيق إنمائي أم تعبير عن هواجس تمثيلية؟ (نداء الوطن ١٧ كانون الاول )

التقى إلى طاولة مجلس بلدية زحلة – معلقة وتعنايل، 13 رئيس بلدية مساء السبت الفائت، فرّقتهم الجغرافيا، ولكن جمعتهم مظلة طائفة الروم الملكيين الكاثوليك وهواجسها. عرّاب المبادرة هو النائب عن أحد مقعدي زحلة الكاثوليكيين جورج عقيص. وقد تلقفها رئيس بلدية زحلة، الكاثوليكي أيضًا، سليم غزالة، بعدما أهملت على المستويين السياسي والكنسي. فانطلقت من قصر بلدية “عاصمة الكثلكة” أول “نواة” لتعاون مستقبلي بين أبناء الطائفة، حُمّلت عناوينه الإنمائية والاجتماعية، مؤشرات سياسية تتجاوز الإطار البلدي، وخصوصًا في ظل ما تتضمنه من نقاشات صريحة حول أزمة التمثيل الكاثوليكي، وموقع الطائفة في النظام السياسي اللبناني عمومًا.

مع أن “للطائفة وجودًا في المتن، والشوف والبقاع، والجنوب” كما ذكر عراب اللقاء جورج عقيص، خلت الساحة في اللقاء الأول لرؤساء بلديات من البقاع والجنوب، بسبب ضعف معلومات الجهة الداعية حول زملائهم في المتن والشوف. فنقل هؤلاء إلى “سندهم” زحلة هواجسهم من حجم التهميش الذي يعانيه مسيحيو أطرافهما عمومًا، ومن بينهم الكاثوليك. تهميش يتقاطع مع متغيرات ديموغرافية حادة، وعمليات بيع واسعة للأراضي، شكّلت انعكاسًا مباشرًا لتداعيات الحروب والاعتداءات، النزوح الداخلي، الفوضى في استضافة النازحين السوريين، ولا سيما الوافدين الجدد، فضلًا عن الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة. وهذا ما طرح تساؤلات عديدة حول مستقبل التمثيل الكاثوليكي، لا بل “المسيحي” عمومًا، في البلدات البعيدة عن مراكز الثقل المسيحي، والتي وإن لم تمس أعراف رئاستها الانتخابية حتى الآن، فقد فرغت من مضمون تمثيلها الواقعي للثقل البشري.

أعداد كاثوليكيي لبنان إلى تراجع

قد يتعمق هذا القلق عند التدقيق في ما أشار إليه النائب جورج عقيص بدردشة سريعة مع الصحافيين عقب اللقاء، حول كون طائفته الوحيدة التي تراجع عدد مواطنيها بين العامين 2022 و2025 في لبنان. وهذا، مقرونًا بما ذكر سابقًا، يحوّل الهواجس الموجودة لدى أبناء الطائفة إلى قلق وجودي، ظهرت بعض ملامحه في مداخلات رؤساء البلديات، من خلال انتقاد حالة “اليتم” التي يعانيها كاثوليكيو لبنان بمرجعيتهم، سواء السياسية المتمثلة بوزراء ونواب لم يتمكن الحاضرون من تذكر معظم أسمائهم، أم الدينية. وهذا ما تكرر على لسان الحاضرين في حضور عقيص، الذي أشار في مستهل اللقاء إلى “تعطلّ دور المجلس الأعلى لطائفة الروم الكاثوليك، وغياب الوحدة في مجالات عديدة بين النواب الكاثوليك الذين ينتمون إلى كتل سياسية مختلفة”.

مصارحة الذات أم جلدها؟

وهكذا إذًا تحوّل اللقاء الأول “البلدي” على المستوى الكاثوليكي، إلى جلسة لمصارحة الذات، وصولًا إلى جلدها في توصيف الحالة التي أخرجتها من معادلات القرار. فأصبحت بلا مرجعية جامعة، وبلا إطار قادر على الدفاع عن حقوقها أو التعبير عن هواجسها.

في المقابل، وعلى رغم إقرار عقيص بجرح يعيشه بين لاطائفيته و “بين بلد طائفي كل مجموعة فيه غير قادرة على إيصال صوتها إلا إذا كانت موحّدة”، فقد شدد على أن دوره في رعاية اللقاء قد ينتهي عند خلق هذا الرابط “الكاثوليكي” والذي شدد على أنه “لا يواجه أحدًا، ليس له طابع سياسي، وهدفه إفادة أبناء الطائفة والإنماء”.

ترحيب بالتنسيق الكاثوليكي

بين مدينة زحلة، وقرى قاع الريم، الفاكهة، تربل، أبلح، راس بعلبك، القاع، وشتورا في محافظتي البقاع وبعلبك الهرمل، ومغدوشة، عين الدلب، مجدليون، الصالحية، حيتولي – ووادي الليمون في الجنوب، بدا واضحًا أن القواسم المشتركة بين أبنائها تتجاوز “هموم الطائفة” وتفوق حجم بلدياتها. وعليه، كانت دعوة رئيس بلدية زحلة في مستهل اللقاء إلى “تعزيز التنسيق على المستوى البلدي، تبادل الخبرات والنماذج والقرارات، توحيد المواقف عند الحاجة تجاه الوزارات أو الهيئات الرسمية، وإطلاق مشاريع مشتركة كلما أمكن”، فلقيت ترحيبًا أثمر توافقًا على إنشاء مجموعة تواصل بين المجتمعين، مع السعي لأن يشمل باقي رؤساء البلديات الكاثوليك. على أن يتم الاتفاق على موعد اجتماع جديد سيحدد مكانه وجدول أعماله بالتنسيق مع لجنة تعنى بالملفات التقنية المتعلقة بالعمل البلدي.

وحدة الصف… طائفية أم إنمائية؟

في المقابل شدد غزالة في كلمته أيضًا على “أن دورنا، ليس إداريًا فحسب بل هو دور قيادي. إذ تنتظر منا مجتمعاتنا الثبات والرؤية والطمأنينة”. واعتبر “أننا عندما نجتمع ونتعاون، نعطي رسالة واضحة بأن الحضور الكاثوليكي منظم، وموحّد، وفاعل”.

غير أن هذا الطرح فتح إشكالية أساسية حول مستقبل هذا التعاون. إذ أن البلدية، بحكم دورها ووظيفتها، ليست إطارًا سياسيًا ولا طائفيًا، بل سلطة محلية تُعنى بشؤون مواطنين تتنوع انتماءاتهم. وبالتالي فإن مشكلاتها إنمائية وإدارية مشتركة مع محيطها. وهذا ما حاول رئيس بلدية شتورا ميشال مطران أن يشرحه، عندما رأى أن التعاون مع بلديات الجوار المتنوعة في انتماءاتها الطائفية، قد يكون أحيانًا أكثر جدوى من التعاون الطائفي الصرف، لا سيما إذا ما أُرفق بلوبي بلدي – نيابي ضاغط قادر على تحقيق مطالب ملموسة، تثمر تعديلًا لبعض بنود قانون البلديات أو حتى الدفع نحو تطبيق اللامركزية.

أقله ارتفع الصوت ليقول “نحن هنا”

في المقابل، بدا واضحًا عند التسليم لواقع بلديات لم تعد أعراف رئاستها الكاثوليكية تعكس بالضرورة حضورًا ديموغرافيًا فعليًا للطائفة في مناطقها، أن ذلك من شأنه حتمًا تقييد إمكانية اتخاذ البلديات كقاعدة سياسية يمكن البناء عليها لاستعادة موقع الطائفة. وهذا ما يمكنه أن يطرح السؤال حول جدوى طرح بناء إطار طائفي انطلاقًا من البلديات.

انطلاقًا من هنا، يمكن القول إن لقاء زحلة “الكاثوليكي”، رغم أهميته الرمزية، طرح الهواجس والإشكاليات أكثر مما أجاب عليها. ومع ذلك، فهو كسر الصمت وفتح نقاشًا كان مؤجلًا. وجعل الصوت الكاثوليكي يرتفع لأول مرة ليقول “نحن هنا” و “قادرون على التحدث باسمنا”. فهل نحن أمام بداية مسار فعلي لاستعادة الكاثوليك صوتهم وموقعهم، أم يبقى “لقاء زحلة” محطة رمزية في مسار التراجع الذي تعانيه الطائفة؟ هذا ما ستكشفه الأيام المقبلة.

بواسطة
لوسي بارسخيان
المصدر
نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى