أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

تسوية مُستحقّات المُقاولين: من يحاسب؟ (الأخبار 8 تشرين الأول)

يناقش مجلس الوزراء، في جلسته اليوم، ملفاً مرفوعاً من وزارة الأشغال العامة والنقل، يقترح تسوية مُستحقات مقاولين ومتعهّدين على أشغال وخدمات نُفّذت كلياً أو جزئياً. إلا أن الملف لا يتضمّن وضوحاً في الملفات الإدارية والمالية، ولا يتضمّن تفسيراً لتأخير مُستحقات كان يجب أن تُدفع من حقوق السحب الخاصة قبل أن تنتقل إدارتها إلى وزارة المال. فهل من المقبول إجراء تسوية كهذه على حساب المال العام؟

الملف الذي يُفترض أن يناقشه مجلس الوزراء، مصدره كتاب مُوجّه من وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء في 29 أيلول الماضي، ويعرض فيه مجموعة مُستحقات متراكمة على الوزارة نُفّذ بعضها أو كلها في العام الماضي بشكل طارئ أو استثنائي لأعمال صيانة وتأهيل طرق ومعالجة أخطار وتصريف مياه أمطار، قبل استكمال معاملاتها المالية والتعاقدية. وتطلب الوزارة، بالنسبة إلى الأشغال التي نُظّمت لها ملفات تلزيم ولم تُستكمل إجراءاتها، السماح باستكمال عقد النفقة وتسوية قيمة الأعمال المُنفّذة، على أن تُغطّى من اعتمادات موازنة 2026، مع تنزيل 5% من قيمة المُستحقات. وفي حال التنفيذ الجزئي، تشترط الآلية المُقترحة أن تتجاوز نسبة الأشغال المُنفّذة 10% من قيمة الملف الإجمالية. أمّا الأشغال التي نُفّذت من دون تنظيم ملف تلزيم لها، فتقترح الوزارة تسوية مُستحقاتها بواسطة «عقد مصالحة».

يشكّل مشروع تصريف مياه الأمطار والمجاري الصحية المُموّل أساساً من حقوق السحب الخاصة (SDR) بنداً مستقلاً في كتاب رسامني. تقول الوزارة إن ديوان المحاسبة سبق أن وافق على تلزيم المشروع لكن لم تُدفع مستحقاته كاملة ثم توافر له رصيد بقيمة 1.2 مليون دولار من حقوق السحب الخاصة، إنما تعذّر استخدام هذا الرصيد لأن الأموال نُقلت من حسابات يديرها مصرف لبنان إلى حساب وزارة المال، لذا يطلب رسامني تسديد المبالغ من اعتمادات موازنة وزارة الأشغال لعام 2026. هنا يبرز سؤال مالي أساسي حول مصير الرصيد: هل استخدمته وزارة المال، وعلى ماذا أُنفق؟ ولماذا يجب إنفاقه على هذا النوع من العقود أصلاً؟

تستند الوزارة إلى موادّ في قانون المحاسبة العمومية تتيح ضمن شروط مُحدّدة، معالجة هذه الحالات. فالمادة 58 تجيز عقد نفقات اللوازم والأشغال بعد 30 تشرين الثاني في الحالات الطارئة المُستعجلة التي يعود تقديرها إلى الوزير المختصّ ووزير المالية. كما تتيح المادة 61، في الحالات المُستعجلة الطارئة، الشروع في عقد النفقة ضمن الاعتمادات المرصودة لها قبل الحصول على تأشير مراقب عقد النفقات، شرط عرض المعاملة عليه للتسوية خلال مهلة أسبوع على الأكثر من تاريخ العقد، مع بيان الأسباب التي برّرت هذا الإجراء، على أن يبقى عاقد النفقة مسؤولاً عنها حتى تسوية عقدها بصورة قانونية.

هل تستوفي الملفات المعروضة على المجلس شروط المحاسبة العمومية للتسوية؟

غير أن الاستناد إلى هذه المواد لا يحسم قانونية كل حالة، إذ يبقى تطبيقها مُرتبطاً بتوافر شروطها في كل ملف. وهو ما يطرح أسئلة حول طبيعة الاستعجال الذي استدعى تنفيذ كلّ من هذه الأشغال، وتاريخ عقد كل نفقة، والجهة التي أعطت أمر التنفيذ، وما إذا كانت المُعاملات قد عُرضت على مراقب عقد النفقات ضمن المهلة القانونية.

وتبرز هنا أيضاً المادة 111 التي تستند إليها الوزارة لتبرير الصرف على سبيل التسوية. فالمادة تجيز ذلك عندما تكون النفقة قد عُقدت وفقاً لأحكام القانون قبل الحصول على تأشير مراقب عقد النفقات وكان يقابلها اعتماد، إلا أنها تنصّ في الوقت نفسه على مُلاحقة المسؤولين أمام ديوان المحاسبة… كما أن المادة 57 تشترط أساساً ألَّا تُعقد النفقة إلا إذا توافر لها اعتماد في الموازنة، وألَّا يُستخدم الاعتماد لغير الغاية التي رُصد من أجلها، فيما تسمح المادة 116 بصرف نفقات السنوات السابقة من موازنة السنة الجارية إذا لم تكن قد سقطت بمرور الزمن وإذا سمحت حالة الاعتمادات بذلك.

وهنا تبرز ثغرة أخرى في الملف المعروض. فالكتاب لا يبيّن الحجم المالي الإجمالي للتسويات المطلوب إجراؤها، ولا عدد المشاريع والأشغال المشمولة بها أو أسماءها وقيمتها وتوزّعها، باستثناء الإشارة إلى الرصيد البالغ نحو 1.2 مليون دولار من حقوق السحب الخاصة. كما لا يبيّن حجم الاعتمادات المُتاحة فعلياً في موازنة وزارة الأشغال لعام 2026 لتغطية هذه المُستحقات، وما إذا كانت تكفي لتسديدها كاملة.
وبالتالي، فإن طلب تحميل المُستحقات على اعتمادات 2026 يطرح سؤالاً أساسياً لا يجيب عنه الكتاب نفسه: كم ستكلّف التسوية الخزينة فعلياً؟ وأيّ مشاريع ستشمل؟ وهل تتوافر الاعتمادات الكافية لتغطيتها؟
مَن المسؤول عن هذا الإهمال؟

 

المصدر
الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى