نكبة موسم التبغ في الجنوب: دورة حياة كاملة تنتهي (الأخبار 22 أيلول)

لا يذكر حبيب ياغي، المزارع السبعيني من زوطر الغربية، متى بدأ زراعة التبغ التي صارت حرفته التي لا يتقن سواها، لكنه يعرف تماماً متى انتهى مشواره معها. «صاروا موسمين»، يقول متحسراً. لا يقيس ياغي خسارته بعدد السنوات، بل بعدد مواسم التعب التي ضاعت. كم موسماً؟ هكذا يحسب المزارع الجنوبي خسارته. وياغي واحد من مزارعين كثر زرعوا تبغهم، ثم وقفوا يتفرجون على احتراقه بنيران العدو الإسرائيلي.
ورغم الضربات التي كان العدو يشنها خلال فترة وقف إطلاق النار مطلع العام الحالي، أصرّ ياغي على زراعة أرضه. زرع نحو «4 دونمات، بما يكفي لإنتاج 500 إلى 700 كيلو من الدخان». ولتأمين معيشته، زرع الزعتر والسماق، إلى جانب بعض الأشجار المثمرة، في مساحة «بحدود مئة متر مربع». وكلها زراعات «طيّعة»، يقول ياغي، لا تحتاج إلى كثير من الرعاية، وهي «بيتية»، والأهم أنها بعلية ولا تحتاج إلى الري. لكن غارات العدو على البلدة اقتلعت الأشجار، ومنعت ياغي من «تحويش» ما تبقى من زعتر وسماق. واليوم، «لولا الولاد»، لما استطاع السبعيني تحمّل تكاليف نزوحه.
خسر ياغي مورد رزقه الوحيد وأرضه التي احترقت، ومثله مزارعون آخرون في قرى الجنوب التي اعتمدت طويلاً على زراعة التبغ لتأمين معيشتها. لم يبقَ تبغ، ولا زيتون، ولا زعتر، ولا سماق، ولا حتى أرض. وهكذا تتوالى خسائر أهل الجنوب، من البيوت إلى الأرزاق التي تحترق في أرضها موسماً تلو الآخر، بلا حول ولا قوة، فيما استبدل النازحون موسم الحصاد بمواسم النزوح والتهجير.
التبغ دورة حياة
لطالما ارتبطت شتلة التبغ في الجنوب بدورة حياة كاملة. فهي بالنسبة إلى مزارعيها العصا التي يتوكأون عليها، ومصدر الرزق الذي يسند عيشهم من موسم قطاف إلى آخر. ولا يتوقف أثرها عند المزارع وحده، بل تمتد دورة المال التي تولّدها إلى آخرين يستفيدون منها: من صاحب الدكان الصغير إلى المدرسة، وصولاً إلى مؤسسة تنتظر بيع موسم التبغ كي تستردّ دينها. هكذا كانت تدور عجلة الحياة في قرى الجنوب التي وجدت في زراعة التبغ ملاذاً من الفقر: يزرعون، يستدينون، يبيعون، ثم يسدّدون ديونهم «ع الموسم». وهو أمر طبيعي في قرى تعتمد حركتها الاقتصادية على ما تنتجه أيدي أهلها. وشتلة التبغ تكاد تكون باب الرزق الأول فيها، لكونها «تؤمّن للعاملين فيها نوعاً من الاستقرار»، يقول طريف سلامة، المزارع والنقابي في الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان.
ويُقدَّر عدد العاملين في قطاع زراعة التبغ بعشرات الآلاف. وبحسب الإحصاءات الأخيرة، يبلغ عدد رخص زراعة التبغ في الجنوب نحو 16 ألف رخصة، إلا أن «كل رخصة لا تخص مزارعاً واحداً، وإنما قد يكون هناك أربعة أو خمسة مزارعين، وحتى عائلة كاملة تعمل كلها في القطاع»، بحسب رئيس اتحاد نقابة العاملين في زراعة التبغ والتنباك في لبنان حسن فقيه. لذلك، فإن التبغ بالنسبة إلى أهل الجنوب يوازي حياة بأمّها وأبيها. وبلغة المزارعين، تحمل شتلة التبغ نحو 70% من مصاريف معيشتهم، فيما تسندها زراعات أخرى صغيرة، كالزعتر والقمح، إلى جانب تربية الأبقار والدواجن وصناعة المؤونة، لتأمين ما تبقى من احتياجات العائلة. ولذلك أيضاً، جاءت خسارة موسم جديد أشبه بنكبة.
الخسارة بآلاف الدونمات
قبل أن يجرف العدوان الإسرائيلي الأراضي الزراعية، كان الجنوب المنتج الأول للتبغ المحلي. وتُقدَّر المساحات التي كانت تُزرع في قراه بنحو 50 ألف دونم، تنتج في مواسم الحصاد الأخيرة قرابة خمسة ملايين كيلوغرام من التبغ المجفف، تتسلّمها سنوياً مؤسسة إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية (الريجي)، بقيمة تقارب، بحسب فقيه، «خمسين مليون دولار».
ولا تشبه مواسم التبغ الجنوبية مواسم المناطق الأخرى. فشتلة الجنوب هي «طربونة الحبق»، ويطلق عليها اسم «سعدى ستة»، وهي تنتج أفضل أنواع التبغ وأجودها. ولأنها كذلك، تعتمد «الريجي» عليها في إنتاج السيجارة الوطنية «سيدرز»، إذ إن «جزءاً كبيراً من صناعة هذه السيجارة يأتي من الجنوب بالتحديد»، يقول فقيه. واحتلت «سيدرز»، بجودتها الوطنية، مراتب متقدمة في نقاط البيع، بعدما طوّرت «الريجي» المنتج واستحدثت خطاً جديداً لإنتاجه.
مع محو قرى كانت أراضيها حاضنة لمواسم التبغ، تشير «الريجي» إلى أن أكثر من 80% من الأراضي لم تُزرع هذا العام
اليوم، لا تقديرات لدى «الريجي» لما يمكن أن يأتي من أراضي الجنوب، في ظل النكبة التي لحقت بالمحاصيل، والتي وصلت إلى نحو 80%. ومع محو قرى كانت أراضيها حاضنة لمواسم التبغ، تشير «الريجي» إلى أن أكثر من 80% من الأراضي لم تُزرع هذا العام.
والنكبة لا تقتصر على الأرض والمحصول. فقد نزح آلاف المزارعين الذين امتهنوا زراعة التبغ من قراهم وبلداتهم. بعضهم لجأ إلى مراكز إيواء، وآخرون إلى مناطق آمنة في الجنوب، لكن أحداً لم يعد قادراً على ممارسة مهنته، «مع فقدان الملاءة المالية بعدما صرفوها في تجهيز الموسم مطلع هذه السنة»، يقول فقيه. ولم يتمكن هؤلاء أيضاً من استئجار أو تأمين أراضٍ في أماكن نزوحهم، بعدما أتت الحرب على أرزاقهم ومدّخراتهم، فوجدوا أنفسهم بلا مواسم وبلا مردود يسند معيشتهم.
طقوس زراعة التبغ
قبل أن يستسلم الجنوبيون للخسارة، كانت زراعة التبغ بالنسبة إليهم طقساً يتقنون الاحتفاء به بصبر. فهو موسم طويل نسبياً يبدأ مطلع العام بتجهيز الأرض وحراثتها وقلب تربتها مراراً، لتهوئتها وتشميسها وتسميدها، ثم تركها لترتاح. وفيما «تتشمّس» الأرض، ينشغل المزارعون بتحضير مشاتل التبغ والشتول تمهيداً لزراعتها. وخلال هذه الفترة، التي تستمر نحو شهرين، يصرف المزارع نصف كلفة الموسم، فيما يُستكمل النصف الآخر مع «التشتيل والري والقطف والشكّ». وللقطف طقوسه أيضاً. فهو يمتد على ست مراحل، تُقطف في كل منها خمس أوراق، بدءاً من الأوراق السفلية الأقرب إلى الأرض، أو ما يُسمى «التكعيبة»، مروراً بـ«التنوة» و«الصليبي» و«الرقبة» و«الطربونة»، وصولاً إلى البراعم العلوية أو «الجرام».
لكن موسم الحصاد لم يأتِ. «انقطع الحبل في المنتصف»، يقول سلامة، بعدما تزامنت بداية الحرب مع بداية زراعة الموسم، فترك المزارعون أراضيهم وانتهوا نازحين. وكلّفت الحرب، المستمرة حتى اليوم، الجنوب مواسمه الزراعية كلها تقريباً، باستثناء بعض المناطق الحدودية، ومنها رميش وعين إبل ودبل وغيرها، وبعض المناطق الداخلية، كالبابلية وصديقين.
لذلك، لا يُعوّل هذا العام على إنتاج التبغ، بعدما دُمّرت هذه الزراعة في أكثر المناطق احتضاناً لشتلة التبغ، التي يسميها الجنوبيون «أمهات القرى التي تزرع هذه الشتلة»، من عدشيت – النبطية إلى تولين وعيترون وعيتا الشعب ويارين ورشاف وميس الجبل وبليدا، وغيرها من القرى التي مُحيت، ومُحيت معها مواسمها، من وجه الأرض.
صحيح أن مجد زراعة التبغ في السنوات الأخيرة لم يعد كما كان في السابق، إلا «أننا كنا موعودين بموسم جيد هذا العام»، يقول فقيه. ويشير إلى أن النقابة أطلقت حملة «قوية» لتشجيع الناس على زراعة التبغ «لتقطيع المرحلة الصعبة». لكن الحرب غيّرت الحسابات، ولم يتمكن المزارعون من الاستثمار في أماكن نزوحهم، فخلقت هذه النكبة كارثة إضافية: خسارة الأموال التي أنفقوها أصلاً لتجهيز الأرض وتحضير الموسم.
من هنا، جاءت اللقاءات بين اتحاد نقابات المزارعين وإدارة «الريجي»، وانتهت في مرحلتها الأولى بمنح المزارعين المسجلين قروضاً بقيمة 300 دولار، على أن تستردها الإدارة في الموسم المقبل. وعلى قاعدة «البحصة اللي بتسند خابية»، تلقف المزارعون القرض، مستعينين به لتدبير أيام النزوح، فيما يدور النقاش حالياً حول كيفية تعويض الخسائر التي تكبدوها.
لكن المشكلة، بالنسبة إلى المزارعين، أعقد من مجرد خسارة موسم. فهي تتحول إلى خيبة أمل من الدولة، ثم إلى شعور بـ«الغضب»، يقول سلامة، مع ترك الناس «ينزعون شوكهم بأيديهم»، من دون خطة تعينهم في المرحلة الحالية.
وفي موازاة ذلك، تشير المصادر إلى أن إدارة «الريجي» حددت موعدين لتسلّم التبغ ممن نفذ بموسمه: الأول لتبغ القرى الحدودية المحتلة، مطلع الأسبوع الثالث من الشهر الجاري، فيما تتسلّم مواسم القرى الأخرى الواقعة خارج المناطق الحدودية والمحتلة في الأسبوعين الأول والثاني من تشرين الأول المقبل.
التبغ من الخمسينيات إلى اليوم
مرّت زراعة التبغ في الجنوب بمطبات كثيرة؛ فلم تكن كل مراحلها «ذهبية». وفي ذروة ازدهارها، التي يحددها المزارع حبيب ياغي بخمسينيات القرن الماضي، كان كيلو التبغ يباع بثماني ليرات، «ع زمان الليرة»، ثم أصبح بعشرة آلاف ليرة، «إيام ما كانت الألف تحكي».
واستمر هذا الانتعاش حتى الاجتياح والعدوان الإسرائيلي في ثمانينيات القرن الماضي، حين انهارت الدولة ولم تعد تتسلّم مواسم التبغ. في تلك الفترة، فتح التبغ طريقه إلى العراق بأسعار مجزية، ثم إلى ليبيا، واستمر الواقع على هذا النحو حتى منتصف التسعينيات، حين استعاد التبغ مكانته، وبات إنتاج الجنوب يفوق القدرة الاستيعابية لـ«الريجي»، فلجأت المؤسسة إلى تحديد كمية الإنتاج بما يعادل 400 كيلوغرام من التبغ لكل رخصة.
ومع الحروب المتكررة على الجنوب، اتجه المزارعون إلى الزراعات البديلة، من البازيلاء والبامية إلى بعض الزراعات البعلية، فيما توسعت زراعة البيوت البلاستيكية وتربية المواشي. لكن في كل مرة كانت تتجدد فيها الحرب، كانت آمال الناس بانتعاش تلك الزراعات تتضاءل. فعاد المجد إلى التبغ، قبل أن يخفت هو الآخر تحت وطأة الأزمات المتلاحقة، ومنها انهيار الليرة، الذي دفع المزارعين إلى الإقلاع عن الزراعة، قبل أن يعودوا إليها مجدداً بعد تحويل سعر التبغ إلى الدولار… وقبل أن تنتهي الحكاية مرة أخرى بفعل العدوان.



