أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

6.8 مليارات دولار نفقات منها 78 مليون دولار لدعم النازحين (الأخبار 3 أيلول)

«يأتي إعداد مشروع موازنة عام 2027 في مرحلة دقيقة ومصيرية»، بهذه العبارة افتتح وزير المال ياسين جابر التقرير المرفوع إلى مجلس الوزراء بشأن مشروع قانون موازنة 2027. عبارته توحي بأن الموازنة بُنيت على رؤية وخطة ستُنفّذ على مدى السنوات المقبلة، إلا أن ما يظهر بوضوح في هذا التقرير، أنها موازنة مبنية على القلق وتتعامل معه من خلال عجزها عن التخطيط لأي سياسة وممارستها. فهي تطلق على روتينها وواجبها اليومي «إنجازات» أو «إصلاحات»، بينما يصعب إيجاد ما يعزّز هذه التعابير تحديداً ولا سيما في الجانب الاستثماري.

فقد ألغيت قوانين البرامج بداعي انتهاء الصلاحية، وأُطلقت على بعض النفقات صفة «استثمارية» بينما هي بغالبيتها تجهيزات وإنشاءات لمبانٍ متخصّصة للجيش أو لإدارة الحدود والمعابر وبعض أعمال الصيانة الأخرى، أي إنها ليست استثمارات في شبكات الكهرباء والنقل والمياه أو سواها. ورهان وزير المال، كما بدا في تقريره، هو على تحسين الإيرادات لتزيد نحو 230 تريليون بحلول 2030، أي بزيادة 2.4 مليار دولار. ويترافق كل ذلك مع ما يسمّيه جابر «انضباطاً مالياً»، وهو مرادف لكلمة «تقشّف» التي تُترجم في التوقف عن تصحيح أجور العاملين في القطاع العام حتى عام 2030. أمّا في جانب النفقات، فهذه الرؤية ما زالت تدور حول التجاهل العمدي لوجود دين بالعملة الأجنبية. ومع ذلك يقول جابر إن النفقات ستساوي الإيرادات بقيمة 6.8 مليارات دولار وإن العجز سيكون «صفراً» للسنة الثالثة على التوالي.

لا توجد عبارة يمكن أن تترجم الواقع في لبنان انطلاقاً من قراءة الموازنة سوى أنها «موازنة العجز». وهي لا تعني فقط أن العجز مالي ويتم إخفاؤه، بل هو أيضاً عجز سياسي عن إدارة المرحلة والتخبّط في تقرير السياسات وتنفيذها.

فإلى جانب تجاهل الدين بالعملة الأجنبية سواء القديم من خلال استحقاقات سندات اليوروبوندز وفوائدها بقيمة 45 مليار دولار لغاية نهاية 2024، أو بقيمة 1.4 مليار دولار هي قروض جديدة من البنك الدولي، ومن خلال مستحقات غير مُسدّدة للعراق بقيمة تفوق 1.2 مليار دولار وربما تصل إلى 1.7 مليار دولار بسبب غياب الأرقام الرسمية، تمارس السلطة سياسة العجز عن القيام بأي شيء. وهذا الأمر واضح في اللجوء إلى تعديلات ضريبية لتوسيع قاعدة التحصيل الضريبي بدلاً من إجراء تعديلات بنيوية على النظام الضريبي يجري تضمينها تحفيزات لاستقطاب نشاط اقتصادي. أيضاً يظهر الأمر من خلال ذلك التباطؤ المقصود لمسألة التعامل مع الإفلاس المصرفي بما يرتّب على الدولة والموازنات المقبلة أكلافاً كبيرة وهائلة لأكثر من عقدين من الزمن.

ومصدر هذا العجز يكمن في أن ممثّلي السلطة في الحكومة، غارقون في الرهانات الخارجية بدلاً من إعادة ترتيب مصالح لبنان وترتيب اقتصاده على هذه الأسس. لذا، يتخبّطون في إدارة المرحلة، وليس لديهم أي إجابات تتعلق بالمستقبل. أمّا أعمال الصيانة للمؤسسات والمباني والأنظمة، فلم تعد مُجدية في نظام يتهاوى ويفقد شرعيته شيئاً فشيئاً.
الأساس المُعتمد في مشروع موازنة 2027 أن هناك نموّاً اقتصادياً متوقّعاً نسبته 3%، أي إن «آفاق التعافي محدودة ومشروطة بتحقيق استقرار مُستدام». وفي الوقت نفسه، إن هذا النموّ المتوقع سينتج من «أثر تعويضي محدود بعد الانكماش الحادّ بما لا يقل عن 6% في عام 2026».

بمعنى آخر، فإن هذه الموازنة لا تسمح بزيادة الضرائب، لكنها تسمح بالتشدّد والحرص على تحصيل الضرائب القائمة، علماً أن الحكومة سبق أن أقرّت ضريبة على البنزين بمعدّل 16000 ليرة على استهلاك الليتر الواحد، وسبق أن أقرّت رسوماً بيئية بمعدّلات تفوق تلك التي وردت في القانون الذي أنشأها.

صحيح أنه لم تُسجّل زيادات ضريبية في مشروع موازنة 2027، لكن هذه الزيادات حصلت في عام 2026 وحصلت بأبشع الطرق لأنها فُرضت بشكل وحشي ومن دون أي اعتبارات لكونها ضرائب ذات طابع تنازلي، أي إنها تصيب الفقراء وتوجعهم جداً.
لم يطرأ أي تصحيح على ذلك، بل يحاول مشروع الموازنة أن يبقي على الوضع القائم ويوسّع قاعدة التحصيل والجباية لضرب المتهرّبين في عقر دارهم. والمشكلة أن ممثّلي السلطة في الحكومة ومجلس النواب، وحتى قواعدهم الشعبية «بَلَعوا» هذه الضرائب وأطلقوا العنان لآليات التكيّف. تعني هذه الآليات، أنه يترتب على الفقراء أن ينغمسوا في فقرهم إلى درجة تعبّده.

أيضاً، كان واضحاً في مشروع الموازنة أن مسألة الإعمار ليست حاضرة، بل سيكون الأمر مقتصراً على إدارة بعض النتائج. فقد قال وزير المال ياسين جابر إنه جرى تخصيص 7000 مليار ليرة لدعم النازحين، أي ما قيمته 78.2 مليون دولار. صحيح أنه قال إن بعض الإنفاق المرتبط بهذه المسألة سيتم من خلال قرض البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، والذي بدأ إنفاقه منذ الآن، إلا أن هذه المبالغ لا تكاد تكون شيئاً في مواجهة المشكلة التي يقول جابر نفسه في التقرير إنها تساوي 11 مليار دولار من الأضرار المادية المتراكمة في الحربين الأخيرتين. مجمل هذا المبلغ لا يساوي أكثر من 2.9% من الكلفة المُقدّرة، ونصيب النازحين المُقدّر عددهم بنحو 400 ألف نازح، يبلغ 820 دولاراً سنوياً لكل فرد، أو 68 دولاراً شهرياً للفرد الواحد. مبلغ «تافه» بالكاد يسدّد ثمن الحاجات الشهرية من الخبز.

وحتى تزداد قتامة المشهد، يقرّر جابر في تقريره المرفوع إلى مجلس الوزراء، أن هناك ضغوطاً تضخمية متجدّدة، إلى جانب تراجع في النشاط الاقتصادي الداخلي القائم على الاستهلاك والسياحة، ودعم مالي خارجي خجول. ويقدّر أن خطّ الدفاع التقليدي في مواجهة الصدمات، أي تحويلات المغتربين، سينكمش في ظل التوترات الإقليمية. وسيتوافق ذلك مع ارتفاع في كلفة الاستيراد بسبب صدمة أسعار النفط.

هو يبرّر أن هذا الوضع دفعه نحو خيار «إدارة الأزمة» من خلال «الحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي» من أجل «حماية مسار التعافي والإصلاح»، وهو المسار الذي يمثّل أداة ابتزاز للسكان منذ سنوات. فمنذ عام 2019 لغاية اليوم لم يُسجّل أي تعافٍ ولم يحصل أيّ إصلاح.

 

بواسطة
محمد وهبة
المصدر
الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى