خاص – لبنان بلا ورق 2030: لا إصلاح لدولة ما زالت تحكم بالورقة والختم

بقلم إيلي رزق
رئيس هيئة تنمية العلاقات الاقتصادية اللبنانية الخليجية
كيف يمكن لدولة أن تتحدث عن الإصلاح، وجذب الاستثمار، ومكافحة الفساد، وهي لا تزال تطلب من مواطنيها الوقوف في الطوابير، وحمل الملفات، والتنقل بين الإدارات للحصول على ختم وتوقيع وإفادة؟
وكيف نريد إقناع المستثمر اللبناني أو الخليجي أو الدولي بأن لبنان يريد فعلاً أن يصبح بيئة جاذبة للاستثمار، فيما قد يحتاج إنجاز معاملة إدارية إلى أيام أو أسابيع من المراجعات والتواقيع والانتقال بين مكتب وآخر؟
المشكلة لم تعد تقنية.
المشكلة أصبحت سياسية وإدارية بامتياز.
فالتكنولوجيا موجودة، والكفاءات موجودة، والحلول معروفة، وتجارب الدول الناجحة أمامنا.
ما ينقصنا هو القرار.

لذلك، أعتقد أن الوقت حان لإطلاق مشروع وطني واضح تحت عنوان:
«لبنان بلا ورق 2030»
مشروع يضع هدفاً وطنياً محدداً: تحويل الجزء الأكبر من الخدمات والمعاملات الحكومية الأساسية إلى خدمات رقمية متكاملة بحلول عام 2030، وصولاً إلى إدارة يستطيع المواطن التعامل معها من هاتفه أو حاسوبه، ويصبح فيها الحضور الشخصي إلى الإدارة هو الاستثناء وليس القاعدة.
المواطن ليس ساعي بريد بين مؤسسات الدولة
هناك مشهد يتكرر يومياً في لبنان ويختصر جزءاً كبيراً من أزمة الإدارة العامة.
تطلب إدارة حكومية من المواطن إفادة صادرة عن إدارة حكومية أخرى، فيذهب إليها للحصول على الورقة، ثم يعود ويسلمها للدولة نفسها!
لماذا؟
إذا كانت الدولة تملك المعلومة، فعلى الدولة أن تحصل عليها.
المواطن ليس ساعي بريد بين مؤسسات الدولة.
في الدولة الحديثة، يجب أن تنتقل المعلومات، لا المواطن.
وهذه ليست مسألة راحة فقط، بل مسألة احترام لوقت الناس وكرامتهم، واحترام لوقت الموظف العام وللمال العام.
البيروقراطية ليست قدراً
اعتدنا في لبنان على التعامل مع البيروقراطية وكأنها جزء لا يمكن تغييره من طبيعة الدولة.
وهذا غير صحيح.
كل توقيع غير ضروري يمكن إلغاؤه.
كل زيارة غير ضرورية إلى الإدارة يمكن استبدالها بخدمة رقمية.
كل معلومة موجودة أصلاً لدى الدولة يجب ألا يُطلب من المواطن تقديمها مرة أخرى.
وقبل أن نرقمن أي معاملة، يجب أن نسأل: لماذا تحتاج أصلاً إلى كل هذه المراحل؟
لأن تحويل معاملة تحتاج إلى عشرة تواقيع من الورق إلى الشاشة ليس إصلاحاً.
إنه مجرد نقل للبيروقراطية من الورق إلى الكمبيوتر.
نحن لا نريد بيروقراطية رقمية.
نريد إدارة جديدة.
الرقمنة تضرب إحدى بيئات الفساد
لنكن واضحين أيضاً: كلما ازداد الاحتكاك غير الضروري بين المواطن والإدارة، وكلما كانت الإجراءات غامضة وغير قابلة للتتبع، ازدادت احتمالات الاستنسابية والواسطة والفساد.
أما في المعاملة الرقمية، فهناك أثر إلكتروني لكل خطوة.
متى دخل الملف؟
من استلمه؟
كم بقي لديه؟
من وافق؟
من رفض؟
ولماذا تأخر؟
وعندما تصبح هذه المعلومات قابلة للتتبع والمحاسبة، يصبح من الأصعب أن تضيع المعاملة أو تتوقف بلا تفسير.
الرقمنة ليست بديلاً عن القضاء والرقابة والمحاسبة، لكنها تسحب من الفساد واحدة من أهم أدواته: الغموض.
لا يمكن جذب استثمارات القرن الحادي والعشرين بإدارة القرن الماضي
وهنا أصل إلى المسألة الاقتصادية التي أعتبرها بالغة الأهمية.
نحن نعمل على إعادة بناء العلاقات الاقتصادية بين لبنان ودول الخليج، ونسعى إلى استعادة ثقة المستثمر العربي والخليجي بلبنان.
لكن علينا أن نكون صريحين مع أنفسنا.
لا يكفي أن نقول للمستثمر: تعال إلى لبنان.
علينا أن نبني الدولة التي تجعله يريد أن يأتي إلى لبنان.
المستثمر يقارن بين الدول.
يقارن الوقت المطلوب لتأسيس شركة، والحصول على ترخيص، وتسجيل مؤسسة، ودفع الرسوم والضرائب، وإنجاز المعاملات الجمركية، والحصول على الموافقات.
في الاقتصاد العالمي، الوقت أصبح جزءاً من كلفة الاستثمار.
وإذا كان المستثمر يستطيع إنجاز معاملته إلكترونياً في دولة أخرى خلال ساعات، فلماذا يختار دولة يحتاج فيها إلى أسابيع من المراجعات؟
من هنا أقول:
الدولة الرقمية ليست مشروعاً لوزارة التكنولوجيا، بل جزء من السياسة الاقتصادية والاستثمارية للبنان.
نافذة رقمية واحدة للمستثمر
ضمن مشروع «لبنان بلا ورق 2030»، أدعو بصورة خاصة إلى إنشاء نافذة رقمية موحدة للمستثمر – One-Stop Digital Shop.
يدخل المستثمر إلى منصة واحدة.
يؤسس شركته.
يسجلها.
يقدم طلبات التراخيص.
يرفع المستندات.
يدفع الرسوم.
يتابع الموافقات.
ويعرف أين أصبحت معاملته ومن المسؤول عن التأخير.
لا نريد من المستثمر أن يعرف خريطة الممرات داخل الوزارات.
نريده أن يعرف عنواناً إلكترونياً واحداً للدولة اللبنانية.
عشر خطوات يمكن أن تغيّر الإدارة
مشروع «لبنان بلا ورق 2030» يجب أن يقوم على خطوات تنفيذية واضحة: هوية رقمية وطنية، بوابة موحدة للخدمات الحكومية، توقيع إلكتروني معتمد، دفع إلكتروني شامل للرسوم والضرائب، ربط قواعد البيانات الحكومية، أرشيف وطني رقمي، نافذة موحدة للمستثمر، إعادة هندسة الإجراءات الإدارية، منظومة متقدمة للأمن السيبراني وحماية البيانات، ومؤشرات أداء علنية لكل إدارة.
والأهم أن تكون هناك مهل زمنية معلنة.
لا يكفي أن يعرف المواطن أين أصبحت معاملته، بل يجب أن يعرف أيضاً متى يجب أن تنتهي.
فالدولة التي تطلب من المواطن احترام المهل والقوانين يجب أن تلزم نفسها أيضاً بمهل لخدمته.
من يحاسب الإدارة؟
التحول الرقمي يفتح الباب أمام مفهوم جديد في الإدارة اللبنانية: قياس الأداء.
لماذا لا يعرف اللبنانيون شهرياً كم معاملة أنجزت كل إدارة؟ وكم بلغ متوسط وقت الإنجاز؟ وما نسبة الخدمات التي أصبحت إلكترونية؟ وأي إدارة تتقدم وأي إدارة تتأخر؟
الإصلاح يحتاج إلى أرقام.
وما لا نقيسه لا نستطيع إصلاحه.
يجب أن تنتقل الإدارة العامة من ثقافة «المعاملة ماشية» إلى ثقافة واضحة تقول للمواطن: أين أصبحت معاملتك، ومتى تنتهي، ومن المسؤول عنها.
لبنان لا تنقصه الكفاءات
من غير المقبول القول إن لبنان غير قادر على تنفيذ هذا المشروع.
اللبنانيون يشاركون في بناء أنظمة رقمية ومصرفية وتكنولوجية في دول المنطقة والعالم، ولدينا شركات وكفاءات متميزة في البرمجيات والاتصالات والأمن السيبراني والتحول الرقمي.
إذا كان اللبناني قادراً على المساهمة في بناء الدولة الرقمية خارج لبنان، فهو بالتأكيد قادر على بنائها في وطنه.
المشكلة ليست في القدرة.
المشكلة في القرار والإدارة والتنفيذ.
المطلوب قرار من أعلى الدولة
مشروع بهذا الحجم لا يجوز أن يبقى مبادرات متفرقة بين وزارة وأخرى.
يجب أن يصبح مشروع دولة، بقرار سياسي واضح، وقيادة تنفيذية واحدة، وجدول زمني معلن، وتمويل محدد، ومؤشرات أداء تنشر أمام الرأي العام.
ويجب أن نسأل كل سنة حتى عام 2030:
كم معاملة ألغينا؟
كم معاملة بسطنا؟
كم خدمة أصبحت رقمية بالكامل؟
كم ساعة وفرنا على المواطن؟
وكم خفضنا من كلفة الإدارة؟
هذه هي لغة الإصلاح الحقيقي.
لبنان بلا ورق… ولكن أيضاً لبنان بلا أعذار
لقد سمع اللبنانيون على مدى سنوات طويلة خططاً للإصلاح الإداري، والحكومة الإلكترونية، والتحول الرقمي.
حان الوقت للانتقال من الخطط إلى المهل، ومن الوعود إلى التنفيذ، ومن الشعارات إلى النتائج.
لا يمكننا أن نطلب من شبابنا أن يعيشوا في اقتصاد رقمي، ومن شركاتنا أن تنافس عالمياً، ومن المستثمر الخليجي والدولي أن يأتي إلى لبنان، فيما تبقى الدولة نفسها خارج هذا العصر.
لبنان بلا ورق 2030 ليس مشروعاً تكنولوجياً.
إنه مشروع لمكافحة البيروقراطية والهدر، وتعزيز الشفافية، وتحسين بيئة الاستثمار، وإعادة احترام وقت المواطن، وبناء إدارة يمكن محاسبتها.
وهو في النهاية جزء من معركة أكبر بكثير:
معركة الانتقال من إدارة تتحكم بالمواطن إلى دولة تخدم المواطن.
لقد آن الأوان أن نتوقف عن إرسال المواطن من باب إلى باب، ومن شباك إلى شباك، ومن وزارة إلى وزارة.
في دولة القرن الحادي والعشرين، المواطن لا يلاحق الدولة… الدولة هي التي يجب أن تصل إليه.
ولذلك، فإن شعار المرحلة يجب أن يكون واضحاً:
لبنان بلا ورق 2030… ولبنان بلا أعذار.



