أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

العدو يمحو مدارس الجنوب من الخريطة (الأخيار 9 حزيران)

يصعب اليوم الحديث عن رقم نهائي للمؤسسات التعليمية الرسمية والخاصة التي دُمّرت بفعل العدوان الإسرائيلي، إذ تُضاف تباعاً مدارس وثانويات ومعاهد مهنية جديدة إلى لائحة الخسائر. لكنّ المؤكد، وفق ما تُظهِره الصور الجوية، أنّ عشرات المؤسسات دُمّرت بالكامل، ما يطرح أسئلة جدّية حول إمكان إعادة بنائها وعودتها إلى العمل في السنوات المقبلة.

وفي وقت لم تكن فيه المدارس قد تعافت بعد من آثار حرب 2024، ولم تُستكمل أعمال الترميم فيها، جاءت الجولة الأخيرة لتعيد عدداً كبيراً منها إلى نقطة الصفر، بل لتُزيل بعضها بالكامل. فقد مُحيَت تقريباً ثانوية مروحين من الخريطة بعد أن كانت قد تضرّرت سابقاً. وفي عيترون، تُظهِر الصور الجوية تحوّل الثانوية الرسمية من مبنى متضرّر إلى ركام كامل. وفي بنت جبيل، طاول التدمير الثانوية الرسمية والمعهد المهني، إلى جانب أضرار جسيمة أو دمار كامل لعدد من المؤسسات التربوية في بلدات الحافة الأمامية والمحاذية.

ومع كل مدرسة تسقط أو تُدمّر، لا يضيع صفّ دراسي أو مختبر أو ملعب فحسب، بل جزء من ذاكرة المكان. لذلك يتحدّث المديرون عن معركة من نوع آخر عنوانها الحفاظ على المؤسسات التعليمية وعدم شطبها من السجلّ التربوي، حتى في حال تعذّر استقبال طلابها في المدى المنظور. غير أنّ هناك من يرى أيضاً أنّ مجرّد الحفاظ على الكيان هو قرار سياسي بامتياز.

وفي اجتماع تشاوري عقدته وزيرة التربية ريما كرامي أخيراً مع أكثر من 20 مديراً لمؤسسات متضرّرة، برزت هذه الهواجس بوضوح. ولم يقتصر النقاش على حجم الأضرار وكلفة إعادة البناء، بل تناول أيضاً مصير التعليم في هذه المدارس وإمكان استمرارها كمؤسسات مستقلة، بعدما فقد بعضها مبانيه وطلابه والبيئة السكانية التي كان يعتمد عليها.

وتبرز هنا معضلة أساسية. ففي البلدات الأمامية التي تعرّضت لدمار واسع، مثل ميس الجبل وعيترون وبليدا وحولا والخيام وكفركلا والعديسة وغيرها، لا يبدو خيار استحداث مبانٍ بديلة للمؤسسات المُدمّرة واقعياً في الوقت الراهن، بحسب المديرين، إذ إنّ الأهالي والطلاب والأساتذة تشتّتوا في مناطق لبنانية مختلفة، ما يجعل إعادة تجميعهم في مكان واحد أمراً بالغ الصعوبة.

مديرو المدارس أمام معركة سياسية لعدم شطب المؤسسات التعليمية من السجلّ التربوي حتى في حال تعذّر استقبال طلابها

لذلك، يميل مدير ثانوية ميس الجبل الرسمية فرج بدران إلى الحفاظ على كيانات المدارس والثانويات عبر تسجيل الطلاب فيها، مع اعتماد التعليم عن بعد كخيار أساسي، وإتاحة المجال لهم لمتابعة الدراسة حضورياً في المدارس القريبة من أماكن نزوحهم، شرط بقائهم مُسجّلين في مدارسهم الأصلية، مع التشديد على ضرورة تأمين الحد الأدنى من مقوّمات هذا الخيار، ولا سيّما الإنترنت والأجهزة. وفيما تؤكّد وزيرة التربية، بحسب بدران، الحفاظ على كيانات المدارس وعدم شطبها، تبقى كل السيناريوات مرهونة بتطورات وقف إطلاق النار واتضاح صورة المرحلة المقبلة.

من جهتها، تقول مديرة ثانوية عيترون الرسمية زينب قعفراني إنّ ما يجري يشكّل حملة مُمنهجة تستهدف المؤسسات التعليمية، بما يهدّد وجودها ودورها ويؤدّي إلى محوها من الذاكرة الجماعية. وتشير إلى أنّ الواقع اليوم أكثر ضبابية من مرحلة ما بعد حرب 2024، حين عاد الأهالي سريعاً إلى قراهم واستعادت البلدات جزءاً من حياتها الطبيعية، ما سهّل إعادة تشغيل المدارس ولو جزئياً. أمّا اليوم، فإنّ حجم الدمار واتّساعه يفرضان أسئلة أكثر تعقيداً حول إمكان عودة السكان، وعدد الطلاب الذين سيعودون، وإمكانية إعادة تجميعهم ضمن مؤسسات تعليمية واحدة. وترى قعفراني أنّ المباني البديلة في بلدات مجاورة لا تستقطب الطلاب النازحين ولا حتى طلاب البلدات المضيفة، معتبرةً أنّ التعليم عن بعد لا يشكّل بديلاً ناجعاً.

كذلك، يرى عدد من المديرين أنّ الحديث عن إعادة بناء المدارس في القرى الأمامية يبقى سابقاً لأوانه، ما دامت هذه البلدات تحتاج أولاً إلى إعادة إعمار منازلها وعودة سكانها. فالأولوية هي لاستعادة الحياة السكنية، لأنّ المدرسة لا يمكن أن تستعيد دورها من دون عودة القرية نفسها. أمّا في بلدات أخرى ما زال جزء من نسيجها السكني قائماً، مثل مجدل سلم وبرج قلاويه وقبريخا وغيرها، فتبدو الخيارات أكثر مرونة، سواء عبر غرف صفّية جاهزة أو مبانٍ مؤقّتة إلى حين استكمال إعادة الإعمار.

لكن مع اتّساع الدمار وتشتّت السكان وغياب صورة واضحة عن حجم العودة، لا تبدو الأزمة مجرّد أزمة أبنية مدرسية، بل أزمة تمسّ مستقبل التعليم الرسمي في المناطق الحدودية. فحين تُمحى المدارس من الخريطة، يصبح التحدّي أكبر من إعادة بناء الجدران، ليمتدّ إلى حماية الذاكرة التربوية للقرى، وضمان حقّ أبنائها في مدرسة يمكن أن يعودوا إليها يوماً ما.

 

المصدر
الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى