أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

لا مؤشرات إلى ترسّخ وقف إطلاق النار في لبنان (الجمهورية 5 حزيران)

بدا أنّ اتفاق وقف إطلاق النار الذي تمّ التوصُّل إليه بوساطة أميركية بين إسرائيل ولبنان لم يُحدث سوى تأثير محدود، أمس. فبعد ساعات قليلة فقط من الإعلان عنه، شنّت إسرائيل موجات من الغارات على جنوب لبنان، فيما رفض الأمين العام لـ»حزب الله»، الذي لم يكن جزءاً من المحادثات، الاتفاق، بينما أطلق مقاتلوه صواريخ على القوات الإسرائيلية داخل لبنان. فأضافت هذه الأعمال العدائية مزيداً من الغموض بشأن ما إذا كان الاتفاق سيصمد أم أنّ إسرائيل و»حزب الله» سيُصعّدان القتال. فيما الحكومة اللبنانية لا تملك سوى قدر ضئيل من السيطرة على الحزب. كما أنّ إسرائيل كانت متردِّدة في وقف القتال، لكنّها تعرّضت لضغوط من إدارة ترامب للقيام بذلك.

كان الاتفاق الذي تمّ التوصُّل إليه يوم الأربعاء قد طالب بوقف أحادي الجانب للهجمات من جانب «حزب الله»، لكنّه لم ينص صراحة على تقديم إسرائيل تنازلات فورية، مثل سحب قواتها من جنوب لبنان.
وتُعقّد الصعوبة المستمرّة في وقف القتال في لبنان المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضدّ إيران. وقد أصرَّت إيران على أن يُدرَج لبنان ضمن اتفاق سلام أوسع نطاقاً، لكن بشروط تتعارض مع مساعي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لنزع سلاح «حزب الله» بالكامل.
وفي معرض رفضه لاتفاق وقف إطلاق النار، اعتبر الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، أنّ الاتفاق يفرض عملياً على الجماعة الاستسلام، فيما تواصل إسرائيل شن هجماتها العسكرية: «طالما استمر الاحتلال، ستستمر المقاومة».
وتحتل القوات الإسرائيلية مناطق واسعة في جنوب لبنان منذ أوائل آذار، عندما بدأ «حزب الله» بإطلاق الصواريخ على شمال إسرائيل رداً على القصف الأميركي – الإسرائيلي لوكيلته إيران. وقد صعّد نتنياهو الهجوم على «حزب الله» خلال الأسابيع الأخيرة، حتى في الوقت الذي كانت تُجرى فيه محادثات الهدنة.
وأكّد وزير الدفاع الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، أنّ الاتفاق الجديد «يتضمّن بياناً لا لبس فيه» بشأن نزع سلاح الحزب في جميع أنحاء لبنان وإدانة التدخُّل الإيراني في المنطقة. فيما اعتبر قاسم أنّ أي وقف لإطلاق النار يجب أن يضع حداً للهجوم الإسرائيلي، وأن يُلزم الجيش الإسرائيلي بالانسحاب من لبنان.
وعلى رغم من كل الزخم الديبلوماسي الذي أحاط بأحدث اتفاق لوقف إطلاق النار في لبنان، فإنّ الواقع على الأرض أمس بدا مألوفاً على نحو قاتم: غارات جوية إسرائيلية، صواريخ لـ«حزب الله»، ومؤشرات ضئيلة إلى أنّ الحرب قد توقفت.
وقد كشف استمرار القتال هشاشة الاتفاق الأخير الذي توسطت فيه إدارة ترامب قبل يوم واحد فقط، وذلك حتى قبل أن يدخل حيّز التنفيذ. ويعتمد الاتفاق على انسحاب «حزب الله» أولاً من المنطقة اللبنانية المحاذية لإسرائيل، وعلى «وقف كامل» لهجمات الجماعة. لكنّ إسرائيل ليست مطالبة بتقديم أي تنازلات فورية بالمقابل، كما أنّ «حزب الله» لم يشارك في مفاوضات وقف إطلاق النار، ما يترك للحكومة اللبنانية قدرة محدودة على إجباره على الالتزام به. وخلال ساعات، ظهرت هذه القيود بوضوح كامل.
وأعلن «حزب الله»، أمس، أنّه نفّذ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضدّ القوات الإسرائيلية في المنطقة الحدودية، فيما واصلت الغارات الجوية الإسرائيلية قصف جنوب لبنان، ما يؤكّد مدى ضآلة تأثير اتفاق وقف إطلاق النار على الموقف العسكري لأي من الطرفَين، ومدى محدودية التغيير الذي أحدثه في حياة المدنيّين على الأرض.
وأضاف كاتس، أنّ القوات الإسرائيلية ستواصل عملياتها في لبنان «في هذه المرحلة»، مضيفاً أنّ مئات آلاف الأشخاص الذين نزحوا من جنوب لبنان لن يُسمح لهم بَعد بالعودة.
وأوضح مهند حاج علي، الباحث البارز في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، أنّ الاتفاق الذي أُعلن ليس سوى «وقف إطلاق نار استعراضي» آخر، أي اتفاق يمتلك «كل عناصر التغليف اللازمة لإعلان كبير، لكن من دون أي التزام. إنّه وقف إطلاق نار أحادي الجانب».
ويأتي الاتفاق الجديد بعد اتفاق سابق لوقف إطلاق النار بوساطة أميركية دخل حيّز التنفيذ في نيسان، لكنّه لم ينجح كثيراً في الحدّ من القتال. وبموجب ذلك الاتفاق، أكّدت إسرائيل أنّها تحتفظ بحقها في التحرُّك دفاعاً عن النفس، لكنّها لن تنفّذ «عمليات هجومية» ضدّ أهداف لبنانية براً أو جواً أو بحراً.
ومنذ ذلك الحين، توغلت القوات البرية الإسرائيلية بشكل أعمق داخل لبنان، كما أمر نتنياهو الجيش بتصعيد الهجوم ضدّ «حزب الله»، حتى مع استمرار محادثات الهدنة.
وقبل خطاب قاسم، كان الرئيس اللبناني جوزاف عون قد أشار إلى أنّ وقف إطلاق النار لم يدخل حيّز التنفيذ بعد، مضيفاً أنّ الحكومة اللبنانية لا تزال تنتظر ردّ «حزب الله» قبل إبلاغ واشنطن بموقف لبنان. وأضاف عون، أنّ وقف إطلاق النار يمكن أن يبدأ خلال 24 ساعة من إبلاغ واشنطن بأنّ جميع الأطراف وافقت عليه، واصفاً ذلك بأنّه «الفرصة الأخيرة» للتوصُّل إلى وقف شامل لإطلاق النار.
لكنّ رفض قاسم للاتفاق جعل هذا الجدول الزمني يبدو أقل احتمالاً بشكل متزايد.
ومن دون أن يسمّي «حزب الله» مباشرةً، حذّر رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام من أنّ أي طرف يرفض العملية أو يؤخِّرها سيتحمَّل مسؤولية ما سيترتب عليها: «كل ساعة تمرّ من دون تنفيذ هي ساعة يدفع ثمنها الجنوب وأهله».

 

المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى