خاص- هل باتت الظروف متاحة لزيادة رواتب القطاع العام؟

بدأ العاملون في القطاع العام في لبنان إضراباً عن العمل اعتباراً من يوم امس الثلاثاء احتجاجاً على المستوى المنخفض للرواتب والمعاشات. وقال بيان لروابط القطاع العام إنّه “وبعد عام من عمر الحكومة الراهنة لم يحدث أي تحسن في الرواتب والمعاشات “فيما بقيت الوعود الرسمية، ولا سيّما وعد رئيس الحكومة بمضاعفة الرواتب والمعاشات وصولاً إلى 50% من قيمتها قبل الانهيار، من دون تنفيذ، ما فاقم الأعباء المعيشية على العاملين في القطاع العام، والمتقاعدين المدنيين، والعسكريين، والمتعاقدين”.
ليبقى السؤال: هل الدولة فعلياً قادرة على رفع رواتب موظفي القطاع العام؟ ورفع الرواتب ان حصل، هل يقودنا الى ازمة جديدة في ظل ضعف امكانيات الدولة؟
في هذا الإطار، اكد عميد كلية إدارة الأعمال في الجامعة الاميركية للتكنولوجيا د. بيار الخوري في حديث لموقعنا Leb Economy ان “معضلة أجور القطاع العام في لبنان تمثل التحدي الأبرز لإستدامة الدولة، حيث تقع الميزانية العامة اليوم بين مطرقة الانهيار المعيشي للموظفين وسندان الموارد المحدودة التي تعتمد بشكل شبه كلي على جباية الرسوم والضرائب في اقتصاد “مدولر” وغير رسمي بنسبة كبيرة”.

ووفقاً للخوري “إن قدرة الدولة على رفع الأجور حالياً محكومة بمرونة مالية ضيقة جداً، إذ إن أي زيادة غير مدروسة لا تستند إلى نمو حقيقي في الإيرادات ستؤدي حتماً إلى العودة لدوامة التمويل النقدي، وهو ما يعني الضغط على سعر الصرف وتآكل القدرة الشرائية مجدداً.”
ولفت الى ان “الموارد المتاحة حالياً، والناجمة عن تعديل الرسوم الجمركية والضرائب، تكفي بصعوبة لتسيير المرفق العام بالحد الأدنى، وأي رفع واسع للأجور دون إصلاح ضريبي شامل يعالج التهرب سيزيد من العجز المالي ويجعل الدين العام، رغم تعثره، عبئاً مستقبلياً لا يمكن لجمه”. وشدد الخوري على ان “السيناريوهات المحتملة تشير إلى أن الرفع العشوائي سيؤدي إلى تضخم جامح يمتص الزيادة في أيام، مما يحول “الزيادة” إلى مجرد وهم نقدي يضر بالاستقرار الكلي.”
واعتبر انه “من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، تفتقر الزيادات الحالية للعدالة، حيث نلاحظ تفاوتاً كبيراً بين الأسلاك العسكرية والمدنية والقضائية، مما يخلق حالة من الإحباط الوظيفي ويضرب مبدأ الكفاءة”.
ورأى إن غياب سلم رواتب موحد وعصري يجعل من الحوافز الحالية مجرد “مسكنات” لا تبني قطاعاً منتجاً. هذا التخبط ينعكس على سوق العمل عبر تعميق الهوة بين القطاعين العام والخاص، ويؤثر على الطلب المحلي بطريقة مشوهة تخدم السلع الاستهلاكية المستوردة بدلاً من تحفيز الإنتاج، مما يفاقم من أزمة ميزان المدفوعات ويحرم الموظف من استقرار معيشي طويل الأمد.”
وقال: “أما بالنظر إلى الوظيفة العامة كأداة سياسية، فإن القطاع العام في لبنان لطالما استُخدم كخزان للمحاصصة السياسية والتوظيف الانتخابي، مما أدى إلى تضخم عددي لا يقابله إنتاجية فعلية. استمرار هذا النموذج كأداة “لزبائنية” الدولة لم يعد ممكناً من الناحية المالية، فالكلفة الباهظة لهذا التوجه استنزفت أصول الدولة ومدخرات المودعين سابقاً، واليوم تهدد ما تبقى من استقرار نقدي. إن نموذج “الدولة الراعية” التي توظف من أجل الولاء السياسي قد انتهى هيكلياً، وأي محاولة لإستنساخه دون تطهير الملاكات وإجراء مسح وظيفي شامل ستؤدي إلى إفلاس نهائي للمؤسسات العامة، حيث تبتلع الرواتب الجزء الأكبر من الإنفاق العام على حساب الاستثمارات في البنى التحتية والخدمات الأساسية”.
واذ اكد الخوري انه “لا يمكن تحقيق إصلاح مستدام للأجور دون الانخراط في ورشة عمل هيكلية تبدأ بإعادة تعريف دور الدولة وحجم قطاعها العام”، شدد على ان “الإصلاح لا يعني فقط تعديل الأرقام، بل يتطلب دمج المديريات، وإلغاء المؤسسات العامة غير المنتجة، والتحول نحو الإدارة الرقمية لتقليص الكلفة البيروقراطية”. واشار الى ان “التجارب الدولية، كالتجربة اليونانية أو دول شرق أوروبا، تؤكد أن النجاح يكمن في ربط زيادة الأجور بتقليص حجم الكادر البشري ورفع الإنتاجية، مع ضمان شبكة أمان اجتماعي قوية”.
وشدد الخوري على “إن الخطوة الضرورية الآن هي إجراء تدقيق شامل في أعداد الموظفين والمتقاعدين، وتوحيد التقديمات الاجتماعية، ووضع سقف للإنفاق على الأجور كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، لضمان ألا يتحول الموظف العام من خادم للمصلحة العامة إلى عبء يهدد الاستقرار المالي للدولة ولنفسه في آن واحد”.



