المأزق المالي في الضمان ينذر بضياع أموال نهاية خدمة المضمونين!

كتبت سلوى بعلبكي في “النهار”:
ليس جديدا القول ان الوضع المالي للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي صعب، ولكن حراجة وضعه اليوم تنذر بالأسوأ في ظل التراجع المريع والمستمر لسعر صرف الليرة، وعجز الدولة عن تسديد المتوجبات المترتبة عليها والتي ناهزت الـ 4 آلاف و200 مليار ليرة، اضافة الى تعثّر الكثير من المؤسسات وخروج بعضها من السوق وزيادة عدد المسرحين من العمال، علما ان نسبة الجباية من المؤسسات التي تنصاع للقانون لم تكن تتجاوز 75%. وما يزيد الضغوط على الصندوق غلاء الفاتورة الطبية وتهديد المستشفيات بزيادة التعرفة. هذه العوامل الضاغطة سهلت على ادارة الضمان، وبحجة الاستمرار في الطبابة للمضمونين، الاسترسال بالاستلاف من فرع تعويض نهاية الخدمة الذي شكّل لعقود خزان الدعم لفرع المرض والامومة. هذا الاستلاف بما فيه من مخالفة لقانون الضمان الذي يؤكد على الاستقلالية المالية للصناديق، شكّل فجوة مالية تتسرب منها حقوق العمال في تعويضات نهاية الخدمة بما ينذر بخطر كبير على تعويضاتهم التي تآكلت قيمتها أصلاً بفعل انهيار الليرة.
وبدل أن يكون الوضع المالي المتأزم سببا ملحا لانعقاد مجلس الادارة لدرس السبل الآيلة الى إنقاذه، كان التهرب وتعطيل انعقاده سيد الموقف، ما حدا بـ 5 أعضاء من مجلس الادارة (فضل الله شريف، رفيق سلامة، أنطوان واكيم، جوزف يوسف، والدكتور عادل عليق) الى تقديم طلب الى رئاسة مجلس الإدارة بتاريخ 12/1/2021 لعقد جلسة استثنائية للمجلس، لمناقشة الوضع المالي في الصندوق، قبل أن تقع كارثة التوقف عن خدمة المضمونين، وذلك في ضوء الكتب المرفوعة من المدير العام.
ولكن بعدما تعذّر انعقاد الجلسة حكماً في مهلة أسبوع على الأكثر، كما تقضي بذلك المادة 10 من نظام مجلس الإدارة، وبعدما تأجلت الجلسة 3 مرات متتالية، قام الأعضاء الخمسة بوضع تقرير يتضمن ملاحظاتهم على الوضع المالي، واقتراحاتهم لمعالجة الأزمة الماليّة في الصندوق، فامتنع نائب الرئيس، بعد تسجيل التقرير في أمانة السرّ، عن توزيعه على الأعضاء وفق الأصول المتبعة في الجلسات المعقودة عن بُعد، غير أن التقرير سُرّب إلى المدير العام من دون سواه.
معدّو التقرير ، اشاروا الى وجود مراجع في الصندوق تتهرّب من مناقشة الوضع المالي، ومن تدقيق الحسابات، فيما أرقام الوضع المالي غير شفّافة، ولا تتضمّن كل عناصر الديون المترتّبة على الصندوق، إذ أظهرت النتائج الماليّة لصندوق المرض والأمومة في نهاية العام 2020 أن الواردات 987931 مليون ليرة، والنفقات 815340 مليون ليرة، والوفر 172591 مليون ليرة، ملاحظين ان الوفر الظاهر في نهاية العام 2020″لا يعبّر بصورة صادقة عن حقيقة النتائج”.
ووفق التقرير فإن حسابات الصندوق غير مصدقة من وزارة الوصاية منذ 20 سنة بسبب الشوائب والملاحظات التي أبداها مدقّق الحسابات الخارجي على حسابات الأعوام من 2006 إلى 2010، وبسبب عدم إجراء تلزيم تدقيق الحسابات للأعوام من 2011 حتى الآن.
ونبهوا الى ان استعمال أموال صندوق تعويض نهاية الخدمة لتمويل التقديمات في صندوق المرض والأمومة مخالف للقانون الذي يكرّس الإستقلاليّة الماليّة للصناديق، وقد تجاوزت الأموال المذكورة الأربعة آلاف مليار ليرة. وفي حال تم قبض كل المستحقات من الدولة الآن (وهذا شبه مستحيل في هذه الظروف)، يبقى العجز لتغطية مطلوبات عجز صندوق المرض والأمومة المتراكمة فوق الـ 2000 مليار. والعجز آخذ في الازدياد على نحو مطّرد مع الارتفاع الهائل للفاتورة الصحية وتعثّر المؤسسات وتراجع قدرتها على دفع الاشتراكات وغياب أي اجراءات حقيقية للحد من النفقات.
وفي حال استمر تمويل عجز المرض والأمومة من تعويضات المضمونين، فإن تآكل التعويضات البالغ الآن 25%، سيتصاعد بسرعة متزايدة، مشيرين في هذا السياق الى دراسة اكتوارية بينت ان مجموع التزامات فرع نهاية الخدمة في 21/12/2020 تجاه المضمونين الذين لم يصفّوا تعويضاتهم تبلغ 10518 مليار ليرة، وهي تكاد تلاقي الاحتياط التقني لصندوق الفرع البالغ 11585 مليار ليرة.
وفي تفصيلهم للوضع المالي اشار معدو التقرير ايضا الى التقصير الفادح في تحقيق الإشتراكات، وفي تحصيلها، وفي وضع جداول إسميّة بالبقايا للتحصيل. كما لفتوا الى تفشّي أعمال الغش والفساد التي يلجأ إليها المضمونون والمؤسسات في ما يتعلّق بالإشتراكات أو بالتقديمات، وغياب أي بحث جدي، على كل المستويات، لمعالجة مأزق الوضع المالي في الصندوق، وانكفاء الدولة عن تسديد ديونها للصندوق والبالغة أكثر من أربعة آلاف مليار ليرة.
وأدرجوا في تقريرهم خطة لإدارة الأزمة المالية تتضمن:
– الضغط على الدولة بشتى الوسائل لدفع المستحقات المتراكمة عليها.
– ضمان قيمة التعويضات من قِبل الدولة مع تراجع سعر صرف الليرة.
– التوقف عن تعمية الرأي العام بتصريحات تعطي الصورة الوردية الوهمية عن الضمان، سيما من الناحية المالية والمكننة، وخصوصا من المدير العام ونائب رئيس مجلس الإدارة.
– الشروع فورا ببت دفتر شروط التدقيق الخارجي.
– احصاءات المكننة (المشكوك في التلاعب بها كما حصل في براءات الذمة)، ثم تلزيم التدقيق لجهة موثوق بها لتقديم صورة حقيقية ودقيقة عن الوضع المالي في الضمان.
– ترشيد سياسة التغطية للدواء عبر اعتماد التغطية بحسب سعر الجنيريك (القصير الاجل) وشراء ادوية الامراض المستعصية والسرطانية بحسب الجنيريك. يذكر أن حجم الوفر المقدر في هذا البند يفوق الـ50 مليارا أو 10% من إجمالي ما يصرفه الضمان على الدواء سنويا (500 مليار).
– دمج بعض مراكز الضمان القريبة بعضها من بعض لتخفيف إيجارات والافادة الفضلى من إنتاجية الموظفين في المراكز التي تعاني من تراكم معاملات.
– انجاز المكننة الشاملة بأسرع وقت لتسهيل معاملات المضمونين عبر الخدمات الالكترونية ولتخفيف عدد المراكز والحاجة الى العمالة الاضافية. وكان يُفترض المباشرة بذلك منذ العام 2009، وقد كرر المجلس مطالبته الادارة بذلك إلى أن اتخذ قراره بإلزام الإدارة إعداد دفتر شروط المكننة الشاملة في 2017 للمضي في التلزيم، وحتى الآن لم يحصل رغم وجود بوادر ايجابية من الادارة حول هذا الموضوع.
– إقرار الموازنة العامة 2021 وفق سياسة التقشف كما أوصت لجنة الشؤون المالية وضبط التلزيمات بالتراضي وبالتجزئة، وعدم اجراء زيادات في كتلة الرواتب وهي الكتلة الأكبر، وخفض الإيجارات.
وحمَّل معدّو التقرير إدارة الضمان، باستثناء ما هو في عهدة مجلس الإدارة، المسؤولية الأولى عن كثير مما وصل إليه الوضع المالي للضمان لعدم معالجتها الأسباب الجذرية التي أوصلت إلى هذه النتائج، حيث لم تعدّ ولم ترفع الى المجلس الكثير من برامج التطوير الصالحة للتنفيذ رغم العديد من الدراسات والتقارير والمؤلفات الوثائقية (الضمان على حافة الهاوية) والمداخلات والقرارات وخطط الاصلاح المقررة من وزراء العمل والحكومة والمؤسسات الدولية (آخرها WYG الممولة من الاتحاد الأوروبي، والتي أنفقت نحو 3 ملايين يورو من دون أي جدوى عملية على الاطلاق، مع وجود علامات استفهام حول مَن مِن الضمان، غير مجلس الإدارة، وقّع لها تسلّم مشاريع ودراسات التطوير وقبولها).



