إشكالات قانونية حول عملة الإيفاء وتحديد سعر الصرف بإزاء تقلّبه
كتبت كلوديت سركيس في ” النهار ” :
إستجدت إشكالات في المعاملات القانونية في لبنان منذ بدء تدنّي قيمة العملة الوطنية حيال الدولار الأميركي وسائر العملات الأجنبية في أواخر سنة 2019، في شأن مسألة عملة الإيفاء، وتحديد سعر الصرف. وتوزعت الآراء في شأن هذه المسألة في اتجاهين متناقضين. الاتجاه الأول يقول باعتماد سعر الصرف الرسمي المحدد من المصرف المركزي. والاتجاه الثاني يقول باعتماد سعر السوق الحرة، أي وفقاً لسعر السوق المعتمد لدى الصرافين الشرعيين والمنصة الالكترونية لعمليات الصرافة لدى المصرف المركزي
هذه الإشكالية القانونية مطروحة في إطار معاملات التنفيذ وأمام محاكم التنفيذ، وكذلك أمام سائر المحاكم، ولا سيما المحاكم المدنية الناظرة في دعاوى إثبات صحة العرض الفعلي والإيداع أو إبطاله. وهذا النوع من الدعاوى مرشح للتزايد بما من شأنه إغراق تلك المحاكم بكمّ كبير منها، ولا سيما في ظل التضارب القائم في الرأي في هذا الصدد. وتكثر بنتيجة هذا التضارب الإعتراضات على قرارات قضائية توائم مصلحة المدين في الغالب فيسارع إلى إيفائه وفقاً لسعر الصرف الرسمي في حال عدم اللجوء إلى الإعتراض على هذا القرار. أما محكمة التمييز فتتريث في إصدار قرارات نهائية في هذا الموضوع.
وسبق لقاضي التحقيق في جبل لبنان بسام الحاج أن طرح هذه الإشكالية، إنطلاقاً من تخصصه في مجال أصول التنفيذ الجبري للأحكام والسندات والعقود. واعتبر في الجزء الثاني من مجموعته القانونية “المستكمل في التنفيذ الجبري ومشاكله” التي تدور حول موضوع تدني قيمة العملة الوطنية والمنازعات الدائرة حول عملة الإيفاء وتحديد سعر الصرف، أنه بالنسبة إلى الديون المحررة بالعملة الأجنبية، فإنّ للمدين الخيار بين أن يدفع بالعملة الوطنية أو بالعملة الأجنبية المتفق عليها، من دون أن يحق للدائن إجباره على أن يدفع بالعملة الأجنبية أو بالعملة الوطنية، لأنه في نظره، لا يجوز إجبار المدين على الدفع بالعملة الأجنبية، ولو كان قد تعهّد ذلك. وقد عاقبت المادة 192 من قانون النقد والتسليف بعقوبة المادة 319 من قانون العقوبات كل من يمتنع عن قبول العملة اللبنانية التي لها قوة إبرائية غير محدودة في أراضي الجمهورية اللبنانية. كما عاقبت المادة 767 من قانون العقوبات بغرامة مالية مَن أبى قبول النقود الوطنية بالقيمة المحددة لها. وإذا اختار المدين الإيفاء بالعملة الوطنية، فيتم الدفع، وفق الرأي الراجح والذي يؤيده القاضي الحاج، على أساس سعر صرف العملة الأجنبية في السوق الحرة بتاريخ الدفع الفعلي وليس بتاريخ الاستحقاق ولا بتاريخ طلب التنفيذ، مشيرا إلى أنه يعود لقاضي التنفيذ الأخذ بمجمل القواعد المتقدم ذكرها وإعطاؤها مفاعيلها القانونية، والقول مثلاً بوجوب تحويل الجنيهات المصرية أو الاسترلينية المحكوم بها الى عملة لبنانية على أساس سعر السوق الحرة بتاريخ الدفع وليس على أساس السعر الرسمي للجنيه. وإذا نشأ خلاف أمامه حول هذه المسألة، فللمتضرر رفع مشكلة تنفيذية، وينظر قاضي التنفيذ فيها على الطريقة المستعجلة، من دون الفصل في أساسها. فإذا تبين له أن المنازعة غير جدية، وهذا هو الغالب، يقرر ردها والاستمرار في التنفيذ أو وقفه على الأساس الذي بدا له أنه يتطابق مع مضمون السند التنفيذي وحكم القانون، على أن تفصل المحكمة المختصة بالموضوع في أساس المنازعة.



