أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

“صندوق النقد” جاهز… متى يجهز لبنان؟

الحكومة المستقيلة لم ترد التفاوض بل عمدت إلى تحميل مسؤولية الملف للحكومة المقبلة

كتب مجد بو مجاهد في “النهار”:

عندما أعلن رئيس الحكومة (المستقيلة حاليّاً) حسان دياب في 7 آذار 2020 قرار تعليق لبنان دفع سندات “الأوروبوندز”، اعتبر أن “الظروف الاستثنائية انعكاس لأزمة غير مسبوقة تضع لبنان على مفترق طرق، فانصرفت الحكومة إلى دراسة الأوضاع المالية والخيارات، فيما الاحتياطيات من العملات الصعبة قد بلغ مستوى حرجاً وخطيراً، ممّا يدفع الجمهورية اللبنانية لتعليق سداد استحقاق 9 آذار من الأوروبوندز”. يومذاك، رأى دياب أنّ القرار هو “السبيل الوحيد لوقف الاستنزاف وحماية المصلحة العامة”. عكست الصورة من نظرة مراقِبة بعد مضيّ 12 شهراً، استنزاف ما تبقّى من احتياطات بالعملات الصعبة وتدهور سعر صرف العملة الوطنية إلى مستويات غير مسبوقة وصلت إلى 10 آلاف ليرة.

قبل سنة، أشار دياب أيضاً إلى “ضرورة استخدام المبالغ في تأمين الحاجات الأساسية للشعب اللبناني”. استفحلت مظاهر التهريب على مدى 12 شهراً في غياب القدرة الفعلية على ضبط الحدود لاعتبارات سياسيّة أو ربحيّة، فيما ظهرت البضائع اللبنانية المدعومة في أسواق دول بعيدة، في وقت تحوّلت فيه سلع أساسية إلى نادرة في لبنان. في استعادة شريط المواقف، أكّد دياب تزامن قرار تعليق الدفع مع “إطلاق برنامج شامل للاصلاحات اللازمة من أجل بناء اقتصاد متين ومستدام، على أسس صلبة ومحدّثة”. لا يزال غياب تنفيذ الإصلاحات بعد مرور عام كامل يكتب عناوين الواقع السائد من انهيار متدحرج ومترافق مع كباش سياسي يمنع تشكيل حكومة إنقاذ بمعايير الاختصاص المطلوبة.

 

ترى مراجع مالية لبنانية مسؤولة وعلى تواصل مع ممثلي “صندوق النقد الدولي” لـ”النهار”، أن الانطباعات المستقاة تشير إلى تأسّف ممثلي “الصندوق” في مقاربتهم الواقع الذي وصل إليه لبنان مع تأخّر تنفيذ المعايير الإصلاحيّة الجوهريّة، فيما بات إصلاح الوضع يتطلّب ما يقارب 5 أضعاف ممّا كان يحتاجه مع بدء مرحلة التدهور. وتستقرئ المراجع الماليّة أن أيّ مستجدّ في إطار إعادة تفعيل عجلة المفاوضات مع “الصندوق” يتوقّف الآن على تشكيل حكومة جديدة، فيما لم يظهر أنّ الحكومة المستقيلة أرادت أخذ الملف على عاتقها الذي بطبيعة الحال سينتج عدداً من المقررات الموجعة، فيما تعتبر الحكومة المستقيلة اليوم أنها “تسيّر الأعمال”. ويبدو أنّ الحكومة المستقيلة لم ترد التفاوض بل عمدت إلى تحميل مسؤولية الملف للحكومة المقبلة، علماً أنه كان في إمكانها مباشرة المفاوضات بطريقة مختلفة عن التي احتكمت إليها في ظلّ سوء إدارة واضحة وغياب معرفة في كيفية إدارة الملف ما شكّل العائق الأساسي أمام تحقيق أي نتائج ملموسة في المرحلة الماضية. وتشير المراجع نفسها إلى أنّ “الصندوق” ينتظر اليوم مفاوضاً لبنانياً يمثّل لبنان ويعمل على مفاوضته. بعبارة أكثر وضوحاً، “الصندوق” جاهز للمساعدة، ويبقى أن يجهز لبنان.

 

تجدر الإشارة إلى أن خريطة طريق المبادرة الفرنسية نصّت في أحد بنودها الإصلاحية على ضرورة استئناف المفاوضات مع “صندوق النقد الدولي”، فيما تترجم آلية التنفيذ من خلال الطلب إلى وزارة المال ومصرف لبنان استئناف المفاوضات مع “الصندوق” وفقاً لجدول زمني واضح في مهلة 15 يوماً من نيل الحكومة العتيدة الثقة. كما نصّ أحد البنود على الموافقة على التدابير والإجراءات الوقائية التي طلبها “الصندوق”، حيث تترجم آلية التنفيذ عبر تكليف وزارة المال إعداد مشروع قانون “الكابيتال كونترول” تمهيداً لإقراره في مجلسي الوزراء والنواب وتكليف الوزارة نفسها بمتابعة عملية التدقيق بحسابات مصرف لبنان.

 

تساؤلات كثيرة تُطرح عن المرحلة المقبلة وما ينتظر لبنان بعد الواقع الكارثيّ المسيطر. وثمّة أسئلة تدور في الداخل اللبناني حول الأسباب التي تحول حتى الساعة دون رفع الدائنين الأجانب دعاوى. وماذا عن الهدوء الذي يسيطر على مقلبهم؟ بحسب مقاربة المراجع اللبنانية فإن جائحة “كورونا قد أدّت دورها من دون شكّ في هذا الموضوع، باعتبار أن هناك مؤسسات مالية تقلّص حجم عملها أو تعمل من المنزل. وإذا كانت الجائحة تمثّل السبب الأساسي في هدوء الصورة، فإنّ السبب الثاني الذي ترجّحه قراءة المراجع، يتمثّل في أن ثمّة لبنانيين يعملون في هذه المؤسسات أو كانوا اشتروا السندات بأنفسهم، بما يعني أن غالبية الدائنين في الخارج على اطّلاع على تفاصيل #الوضع اللبناني وربما ينتظرون حتى تشكيل حكومة واستئناف المفاوضات؛ فيما لا يغيب عن مقاربة المراجع أنّ المبالغ المستحقّة لا تشكّل سوى نسبة ضئيلة جدّاً من حجم هذه المؤسسات المالية.

تبقى كلمة السرّ واضحة بضرورة تشكيل حكومة تساهم في ترميم صورة لبنان المشتعلة سياسياً واقتصادياً مع رهان مستمرّ من اقتصاديين على أنّ الوقت لم يفت بعد على فرملة ما وصلت إليه الأوضاع. وتشير المعلومات المتوافرة لـ”النهار” من مصادر سياسية مواكبة عن كثب للملف الحكوميّ، إلى أنّ حراكاً حصل في الساعات الماضية لناحية مبادرة قائمة انبثقت منها أجواء عن قبول فريق رئيس الجمهورية بالحصول على 6 وزراء على طريقة (5+1 مع وزير الطاشناق)، لكنّ أيّ اتصال لم يترجم حتى الساعة من قبل رئيس الجمهورية بالرئيس المكلّف للتأكيد على القبول بهذا المقترح، علماً أنّ تساؤلات لا تزال تحيط فريق الرئيس المكلّف حول السبب الذي يؤدّي بفريق العهد إلى المطالبة بـ6 وزراء طالما أنّه لن يمنح الثقة للحكومة. وينتظر “بيت الوسط” اتصال بعبدا للتأكيد على جديدٍ قابل للبحث في الملف، مع التأكيد على ضرورة تسمية شخصيّة مستقلّة تماماً لتولّي حقيبة الداخلية من خلال اتفاق بين الرئيسين حولها.

 

بواسطة
مجد بو مجاهد
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى