الحكومة مصلحة وطنية أم مصالح سياسية؟ (النهار 31 آب)

شكل الموقف الذي أطلقه رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد أخيراً مؤشراً بارزاً على طابع الإلحاح الذي يكتسبه تفعيل الحكومة والذي يعتقد مراقبون أنه بات ملحّاً أقوى من السابق بناءً على التطوّرات الدرامية في العراق في الأيام الأخيرة. قال رعد “بلدٌ من دون حكومة لا يمكن أن يستقرّ وضعه، والدّلع الذي نعايشه في طريقة تشكيل الحكومة لا محلّ له الآن” وتابع “نحن لا يعنينا من يأتي ومن يذهب ومن يعود، بل عوّموا هذه الحكومة لتكون حكومة كاملة الصلاحيات”. لم يقل بلد من دون رئيس للجمهورية يُنتخب في موعده لا يمكن أن يستقر وضعه فيما يدخل البلد في إطار المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد. وهذه ملاحظة لافتة مؤشرها الذهاب الى فراغ رئاسي علماً بأن حكومة فاعلة بوجود رئيس للجمهورية تألفت قبل سنة لم تستطع القيام بالكثير ولم تسهم في حل أيّ مسألة في حياة اللبنانيين، فاستمرّ تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية والبحث المضني عن الخبز والمحروقات وتفاقم وضع الكهرباء ولم يعد يمكن الحصول على أوراق ثبوتية ولا على جواز سفر، ولم تتحسّن حياة اللبنانيين قيد أنملة بل على العكس من ذلك. وحين يقول وزير الاقتصاد السابق رائد خوري الذي كان محسوباً من حصة العهد إن ٥٠ ملياراً من أموال المودعين تم تبديدها منذ بدء الأزمة، فكيف لا يتحمّل أفرقاء السلطة أي العهد وحلفاؤه المسؤولية وهم الذين تولوا وحدهم السلطة من دون سواهم في الحكومات المتوالية منذ ذلك الوقت؟
يعتقد البعض في ضوء هذا الإلحاح من الحزب أنه ستُعوَّم الحكومة الحالية كما يدفع بتغيير وزيرين أو ثلاثة مقدّماً تعويضاً لحليفه المسيحي بتأليف حكومة يسعى من خلالها الى الحصول على بعض المكاسب في التعيينات والمواقع وعدم خروجه من السلطة من موقع ضعيف ومنهزم لا سيما أن هناك من يعتبر أنه دفع ثمن تحالفه معه وخسر أولويته المسيحية والخارجية، فيما حقق الحزب مكاسب كبيرة في المقابل.
وينبغي الإقرار بأن البحث في جدوى تعويم الحكومة أو تأليف حكومة جديدة وفي مصلحة من سيكون تأليفها كان مدار بحث على مستويات عدة في الوقت الذي يأخذ فيه مراقبون على كل أطياف المعارضة عدم حضورها في الموضوع الحكومي كأنما الأمر لا يعنيها تاركة لفرقاء السلطة الحالية أن يتوزعوا الحصص ويقرّروا ما يريدون من دون أيّ رأي لهم. وذلك علماً بأن مقاربة الموضوع الرئاسي تنطلق من أن الانتخابات النيابية وفرت للمعارضة ثقة شعبية ينبغي أن تترجمها فيما هي لا تظهر الاهتمام نفسه بموضوع الحكومة حتى لو كانت لشهرين أو لثلاثة. ولكن ماذا لو كانت لمدّة أطول واستمرت سنة أو أكثر، فهي ستجد في تراكمات الانهيار عبر عقود أسباباً لدرء المسؤولية عنها التي ترغب المعارضة في تحميلها إيّاها إذا تسلّمت البلد واستمر الانهيار. وتالياً لا يستقيم معيار ترجمة الثقة الشعبية التي أعطيت للمعارضة في اختيار مرشح للانتخابات الرئاسية مع معيار عدم انسحاب ذلك على تأليف حكومة ما بعد الانتخابات النيابية. ففي نهاية الأمر، وإزاء إصرار الحزب على تعويم الحكومة والجهد الذي بُذل في لبنان على غرار ذلك الذي بُذل في العراق منذ الانتخابات التشريعية قبل عشرة أشهر من أجل دحض نتائجها يفترض أن يؤخذ في رأي هؤلاء المراقبين من زاوية مختلفة قياساً الى تجربة إيران في العراق كما في لبنان لنسف نتائج الانتخابات النيابية وعدم العمل بموجبها.
موجبات الحكومة التي اتخذت بعداً جديداً مع التطورات الدرامية في العراق وخطورة اتجاهاتها أو تداعياتها خصوصاً بالنسبة الى ما تثيره من مخاوف لدى الحزب، تقوم على الاعتقاد بأنها لتجنب مشكلة سيفتعلها حتماً رئيس الجمهورية وفريقه الذي يعلن عن ذلك صراحة تحت عنوان عدم تسلم حكومة تصريف الأعمال صلاحيات رئيس الجمهورية على رغم دستورية الخطوة. ويعطي الذهاب الى تعويم الحكومة أو أي صيغة ترسو عليها هذا الفريق أو من يدعمه قوة استخدام أوراق مماثلة كما في السابق في المراحل اللاحقة وهذه نقطة ضعف أساسية في طابع الابتزاز الطائفي الذي برع فيه هذا الفريق والذي يتطوّر الى ابتزاز سياسي.
من الموجبات ايضاً الاعتقاد بأن الحكومة ستكون لأشهر قليلة قد لا تتعدّى نهاية السنة الحالية على خلفية أن البلد لا يستطيع تكرار تجربة فرض الفراغ الرئاسي لعامين ونصف العام كما حصل قبل انتخاب العماد ميشال عون، والبعض يقول إن الإصرار الخارجي يذهب في اتجاه إجراء الانتخابات قبل انتهاء ولاية الأخير. يضاف الى ذلك أن حكومة برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي بعد خروج عون من السلطة ستكون مختلفة من حيث قدرة ميقاتي على عدم الخضوع للابتزاز الذي يمارسه الفريق العوني ولا سيما أن غالبية الوزراء سيأخذون في اعتبارهم المتغيّر الأساسي في مرحلة أفول العهد العوني والتطلع الى عهد جديد بعيداً من الارتهان لفريق سياسي للبنانيين عليه مآخذ جمّة في انهيار البلد وخسارة أموالهم نتيجة سوء إدارة تتصل بتسليم عون صلاحيات الرئاسة مبكراً لصهره والاعتماد عليه في ممارستها بالنيابة عنه وتحضيراً له لوراثته في موقع الرئاسة.
يقول معنيون إن التقويم لهذه العناصر يبدو مشجعاً حتى لميقاتي في الدفع نحو تعويم الحكومة ما لم يخضع للضغوط أو المساومات للتنازل أبعد من تخليه عمّا تخلى عنه حتى الآن إحياءً للحكومة أو تعويمها بالأحرى.



