أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

المنظار السياسي للانتخابات البلدية كمدخلٍ للتغيير (النهار ١٢ نيسان)

إذا كان للسياسة دورها البارز وحضورها الدائم تاريخياً في الانتخابات البلدية والاختيارية على نطاق المدن والمناطق الكبرى خصوصاً، فإنّ استحقاق أيار 2023 البلدي – إذا حصل في موعده – لن يكون بمثابة استثناء على هذا الصعيد.

ولعلّ المعطى الأكثر تعبيراً عن ارتباط السياسة بالمعركة البلدية والاختيارية، ما استُنتج من معطيات انبثقت عن جلسة اللجان المشتركة التي بُحثت خلالها مسألة التمويل الانتخابي؛ وينقل متابعون أنّ “الرفض السياسي” للانتخابات البلدية أبداه ممثّلو “حزب الله” تحديداً، في إشارتهم أمام عدد من النواب الحاضرين في الجلسة إلى “غياب أولوية” الاستحقاق علماً أنه لفت إلى أن في استطاعته الفوز في مناطق نفوذه، لكن ذلك سيرتّب “جرحاً” مناطقياً بين أبناء القرى وسخطاً على المرجعيات السياسية وخلافات عائلية… وأن “الأوان” ليس لمسألة كهذه راهناً. ومن هنا، اتّضح للنواب المعارضين لـ”حزب الله” أن الأخير لا يبدي حماسة فعلية لإجراء الانتخابات البلدية في موعدها. وفي وقت تعيش البلاد أزمة اقتصادية غير مسبوقة تُسقط عن الاستحقاق البلدي البعد الخدماتي، لكن البعد السياسي المعنوي يحضر لدى قوى سياسية متنوّعة تعبّر عن حماسة انتخابية لما تعتبره مدخلاً للتنافس المهم والتغيير المنشود في الموازين بعد محطة أولى متمثّلة في استحقاق الانتخابات النيابية 2022، الذي غيّر واقع الأكثرية البرلمانية رغم أنه لم يأتِ بنتائج حاسمة كبرى لمصلحة فريق أو لآخر.

سياسياً، ينطلق تأكيد “القوات اللبنانية” على دعم إجراء استحقاق الانتخابات البلدية في موعده الدستوري، من رفضها تعطيل المرافق العامة للدولة اللبنانية ونقل السلطة إلى القائمقامين. وتتخوّف “القوات” من “التعطيل السياسي” للانتخابات البلدية والاتجاه إلى “هدم الهيكل” بشكل كامل، مع ملاحظتها محاولة محور “الممانعة” تجنُّب إجرائها خشية لرفض الأحزاب التقليدية الدائرة في فلك ذلك المحور؛ أما منظار كوادر “القوات اللبنانية” للاستحقاق فيُعبّر عن انطلاقة من التصدي للمشروع التعطيلي المستمرّ والمتشابه مع عرقلة انتخاب رئيس للجمهورية، فيما يستمر الشغور الرئاسي حتى الآن. وتستنكر “القوات” تذرّع البعض في الحاجة للتمويل مع اضاءتها على امكان تأمينه من حقّ السحب الخاص (SDR). وعلى المستوى السياسي، لا يغيب رهان “القوات” على دور الانتخابات البلدية في التغيير وتفعيل الخيارات الصحيحة لدى الناخبين على تنوع المناطق.

وفي المعلومات البارزة حول تحضيرات “القوات” الحزبية لخوض الانتخابات البلدية، فإن الماكينة “القواتية” الانتخابية باتت على جهوزية بدءاً من المنسقيات وجهاز الانتخابات المركزي والمسؤولين المركزيين. ويأتي ذلك وسط انكباب على دراسة الوضع الانتخابي في المناطق والتنسيق مع القوى الحليفة. وقد عيّنت “القوات” جاد دميان معاوناً للأمين العام لشؤون الانتخابات الذي تُؤكّد مواكَبَته للتفاصيل، أن المعركة السياسية دائماً حاضرة بلدياً وتكون بارزة في أماكن أكثر من الأُخرى، مع التعويل على اختيار الناخبين لنماذج ناجحة وايجابية تسهم في تحسين أوضاع المواطنين. وفي إضاءة دميان على أهمية الاستحقاق، فإنّ حال التعطيل يجب ألا ينسحب على السلطات المحلية بل العمل وفق مقاربة جديدة مبنية على الأسس الديموقراطية وسط الأزمات العاصفة بالبلاد. ويتركّز البعد السياسي انتخابياً في المناطق الساحلية ذات التواجد السكاني الكبير، حيث المعركة السياسية بارزة بشكل أكبر من القرى البعيدة. وثمّة أهداف موضوعة مرتبطة بالعمل البلدي التشاركي وتفعيل دور اتّحادات البلديات والتعاون فيما بينها للانتقال إلى وضعية أفضل.

وكذلك، يصرّ الحزب التقدمي الاشتراكي على ضرورة إجراء الانتخابات البلدية والاختيارية في موعدها المقرّر بأيار المقبل، نظراً لأهمية استحقاق مماثل حتى يكون في استطاعة البلديات الاستمرار وسط الأعداد المُنحَلَّة منها والتي لا تتحمل أن يديرها قائمقام. وإذ يحثّ التقدمي المعنيين على استكمال الاجراءات اللوجستية المطلوبة لإتمام الانتخابات، تنطلق أوساطه المتابعة من مقاربة مبدئية درءاً للشغور الحاصل في المؤسسات العامة وانتفاء قدرة القائمقاميات على الاضطلاع بالدور. ولا تقيس مقاربته الموضوع من زاوية حزبية باعتبار أن للقرى والمناطق الجبلية خصوصية بأبعاد مرتبطة بالتفرّعات العائلية أكثر منها السياسية. ولا يلغي ذلك الجهوزية الحزبية على نطاق الحزب التقدمي لمواكبة الاستحقاق البلدي، من منطلق التجديد البلدي الذي يطلبه المناصرون بشكل لافت إضافة إلى دعمه الحفاظ على ديموقراطية المواعيد الدستورية.

في غضون ذلك، تبدو القوى السياسية السنية غائبة عن الاستحقاق البلدي المقبل في غالبية المدن الكبرى، مع بدء اتخاذ التحضيرات للانتخابات البلدية طابعاً عائلياً معيّناً في القرى والمناطق الداخلية ذات الحضور السنيّ. وفي بيروت، يُردّد بعض المتابعين السياسيين في مجالسهم أن هناك علامات استفهام جدية من إمكان غياب المناصفة للمرة الأولى بين المسلمين والمسيحيين في عضوية المجلس البلدي إذا جرت الانتخابات فعلاً. ويأتي ذلك في غياب القوى السياسية السنية التي كانت ترعى الاستحقاق على مدى سنوات طويلة، ويقصد هنا تيار “المستقبل” المستمر في تعليق عمله السياسي التقليدي بالحدّ الأساسي. ويقرأ البعض بيروتياً على المستوى السياسي أنه اذا جرت الانتخابات البلدية، قد يفوز أعضاء من الطائفة الشيعية بالنسبة الأكبر من المقاعد في مقابل محدودية في عدد الأعضاء المسيحيين. وبدوره، يردد مرجع سني أن الجوّ المتوتّر والموتور في البلاد، في امكانه أن يرتّب بعض الحزازات والمخاطر إذا جرت الانتخابات في بيروت. لكن، عملياً لا طابع بأبعاد سياسية للمعركة الانتخابية أو زاوية للتداول السياسي حتى اللحظة على صعيد المدن الكبرى.

بواسطة
مجد بو مجاهد
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى