عودة إلى “الجذور العونية” في تعيينه نائب الرئيس أم تطويق له؟ (النهار ٢٠ أيلول)

“توقعت بعض الضجة، ولكن ألا تصل الى هذه الحدود”. بهذه العبارة يبادرك نائب رئيس “التيار الوطني الحر” للشؤون الخارجية ناجي الحايك. فبعد أيام قليلة على قرار تعيينه في منصبه الحزبي الجديد، والتحليلات لم تهدأ بعد.
من “رسائل سياسية متعددة الاتجاهات”، الى “تأكيد تموضع التيار الوطني كحزب في موقع اليمين”، وصولاً الى أن “التعيين رسالة مباشرة الى حزب الله وجمهور الممانعة”. كل هذه التحليلات قيلت ولا تزال في تعيين الحايك. أما الحايك نفسه فيقول لـ”النهار”: “ليس للتعيين أي مدلولات. هو أتى في هذه اللحظة، وأنا في كل انتخابات حزبية، يتردد اسمي أحياناً لبعض المواقع. وفي هذه المرة، عُيّنت في منصب نائب الرئيس”.
الى هذا الحد، لا يعطي الحايك خلفيات كثيرة لتعيينه. هو الدكتور الآتي من عالم التجميل، لا يعرف جيداً تجميل كلماته، بمعنى أنه يقول ما يريد. يعلق: “لدي اقتناعاتي، وأعبّر عنها بكل صراحة، فلا حسابات عندي. لا أريد أن أصبح نائباً ولا وزيراً، وحتى منصبي الحزبي في نيابة الرئيس لم أسع إليه، من باب حصد المراكز. هذا المنصب هو وسيلة وليس غاية بذاته. لذلك، كنت ولا أزال أعبر عن رأيي بطريقة واضحة”.
لطالما وُصف الحايك “بالرجل اليميني المتطرف” في عز التقارب بين “التيار الوطني الحر” و”حزب الله”. هو لم يتوان عن انتقاد “حزب الله” حتى في تلك الفترة، وفي كل مرة كان يصدر توضيح من التيار أن “مواقف الحايك تعبّر عن رأيه الشخصي لا عن موقف التيار”، لكن لم تصل طريقة الاختلاف في التعبير بين الطرفين الى حد فصل الحايك من “التيار”. وكأن الحفاظ عليه من ضرورات اللعبة السياسية – الحزبية، فماذا في ماورائيات هذا التعيين؟
“دغدغة” الجمهور العوني
يكاد “الجمهور العوني” يكون من أشد الذين ارتاحوا الى هذا التعيين. وفي الأساس، فإن “كثرة الترحيب العوني” بالتعيين كانت واضحة من خلال أكثر من موقع ووسيلة.
وبالتالي، قد يكون لهذا التعيين نوع من شد العصب العوني ومحاكاة الجمهور العوني في الصميم أو ” دغدغته”، بعد الانتكاسات التي تلقاها تباعاً، إن كان خلال عهد ولاية الرئيس العماد ميشال عون أو قبله نتيجة التقارب الشديد بين “حزب الله” و”التيار”.
وفي الأساس، بدأت هذه العودة الى “الجذور العونية” إن صح القول، تظهر نتيجة أكثر من حادث ومعطى، ولعل أشدها كان بعيد حادثة الكحالة والانتقادات العونية التي ظهرت الى العلن وبوضوح، مستنكرة الحادثة وتوجيه سلاح “حزب الله” الى أهل الكحالة.
وقبلها، كانت خيوط التقارب تكبر نوعاً ما بين “التيار” وبعض الأحزاب المسيحية، وفي مقدمها حزبا الكتائب و”القوات اللبنانية”، ولا سيما بعد “التقاطع” الذي تم على ترشيح الوزير السابق جهاد أزعور للرئاسة.
وتلى هذه الخطوة عدم إقدام “التيار الوطني الحر” على تأمين النصاب لأي جلسة انتخاب لرئيس للجهورية، حتى اللحظة، من باب تسهيل وصول مرشح “الممانعة” الى سدّة الرئاسة الأولى، لا بل عدم إعطاء أي غطاء لأي جلسة تشريعية في ظل الفراغ الرئاسي.
كل هذه المعطيات جعلت “التيار” يقترب من الخط اليميني، الى حد أن البعض توقف عند العبارة التي استعملها رئيس حزب “التيار” النائب جبران باسيل في خطابه الأخير وهي “الممانعة”، بعدما امتنع طويلاً عن التعبير بهذه الطريقة.
وإن كانت هذه المؤشرات تكتمل مع تعيين الحايك في منصب نائب الرئيس، فإن المشهد العام يبدو مكتملاً، وخصوصاً أن موجة رافضة للتعيين أتت من جمهور “الممانعة” نفسه.
يعلق الحايك: “لست معنيّاً بالرد على هذه الموجة. إن التعيين شأن حزبي داخلي، وأنا أرد على جمهور حزبي. بالتأكيد كنت أحب لو أن كل الردود كانت إيجابية، لكن لكل طرف موقفه ورأيه. وأنا أحترم ذلك”.
في خطابه الأخير، قال باسيل : “ناجي الحايك، رجل المواقف الصعبة، الصادمة أحياناً والصادقة دائماً (…)، كلامك الجارح أحياناً كان يخرج من قلب مجروح وصراحة من حرصك”.
فنائب الرئيس الجديد معروف بانتماء عائلي قديم الى “الكتلة الوطنية”، قبل أن ينضم هو الى حزب الوطنيين الأحرار ومن ثم يحارب في صفوف الجيش اللبناني في فترة تولي العماد عون القيادة العسكرية. حافظ على مواقفه “الحادة” من “ورقة التفاهم” والمقاومة، وصولاً الى قضيّة اللاجئين السوريين، وهذا ما دفع بباسيل الى القول: “كنا نتنصّل من كلامك، أما اليوم فالوضع مختلف. كلامك وتفكيرك يعبّران اليوم عن موقف التيار. لهذا، أختارك نائباً للعلاقات مع الأحزاب الخارجية، ومهمتك كبيرة”.
بهذا الموقف رسالة في ذاتها. فهل هو تغليب داخل “التيار” لخط أو نهج سياسي على آخر، وفي فترة زمنية حرجة، وهو إعلان العودة الى “الجذور العونية”؟
بين “حزب الله” والتطويق
في المقابل، لا يمكن فصل تعيين الحايك عن الحوار الذي يجريه باسيل مع “حزب الله”، فهل في هذا التعيين “لجم” أو “تطويق” للحايك من خلال إدراجه ضمن “العباءة التنظيمية الحزبية”، وفي الوقت نفسه للقول لجمهوره إن أي تسوية يمكن أن يقبل عليها “التيار”، تؤكد أنه لا يزال على “خطه اليميني المستقل”؟
قد يكون في هذا التحليل صوابية ما، فكل شيء مباح في السياسة، وكل “المناورات” جائزة. و”التيار الوطني الحر” نفسه يحمل أكثر من لغز بعد كل ” التقلّبات” التي مرّ بها في مسيرته منذ التسعينيات حتى اليوم.
أما الحايك فليس معنياً إلا بالتأكيد أن “واجبي الوطني يحتّم عليّ العمل وفق أولويتين: الأولوية الوطنية لإعلاء مصلحة وطني أولاً، والأولوية الحزبية انطلاقاً من انتمائي الى التيار الوطني الحر”.
… وبعد، بأيّ ملف سيبدأ العمل، وماذا يعني في الأساس نائب رئيس الحزب للشؤون الخارجية؟ يجيب: “الأمر الملحّ بالنسبة إليّ هو ملف اللاجئين السوريين، لعلنا نستطيع أن نجمع الكل حول أهمية هذه القضية ومدى انعاكاساتها على القلب اللبناني. لا لدمج اللاجئين في لبنان ولا بد من وقف هذا اللجوء وتداعياته الخطيرة على الكيان اللبناني ووجوده”.



