الازمة الاقتصادية تشمل المواطنين في معالجة اسنانهم وتكاليفها (الديار ٢٤ شباط)
زيارة الطبيب تحتسب بالدولار وزراعة السن تحتاج الى ميزانية

في ظل الانهيار المالي وتفلّت الأسعار في السّوق الموازية، عاش المواطن اللبناني ولا يزال، احتكارًا ملحوظًا أكان من ناحية التّكاليف والأسعار والمشاريع أو الاستثمارات، وبات يحسب مئة ألف حسابٍ لتأمين أبسط مشروعٍ يطمح الى تحقيقه في هذه الظّروف الصّعبة.
المشكلة، أنّ فئةً لا بأس بها من الشعب اللبناني، عاشت ولا تزال أزمة ماليّة حادّة مع كل هبوطٍ للعملة الوطنيّة وتحليقٍ للدولار، وما يرافقه من فواتير المولدات الكهربائيّة، والمحروقات والايجارات وأصبحت كل زيارةٍ للطّبيب تُحتسب بالدّولار أو ما يُعادله.
فهل أصبحت الطّبابة ترفًا للأغنياء فقط؟ أم أنّ باستطاعة الفقير أيضًا زيارة طبيب أسنانه والاعتناء بصحّته ؟ وهل التّكلفة تعتبر أكبر على طبيب الأسنان أو مريضه؟
تكاليف علاج الأسنان موجعة… يحتاج علاج الأسنان اليوم إلى ميزانيّة كبرى، إذ لم تترك الأزمة الاقتصاديّة شيئًا إلّا ونخرته ودولرتهُ وتحكّمت في أسعاره حتّى الأسنان لم تسلم منها، فيضطر المواطن الى الاستدانة بهدف معالجة أسنانه أو نخر السّوسة أو القيام بعمليّةٍ ، حيث انّ الموضوع بات يعتبره البعض ترفًا لأنّ “خراب الضرس من خراب البيت”. أمّا الذين يتقاضون رواتبهم بالعملة الخضراء، كموظفي القطاع الخاص (فئة منهم) والمغتربين، فباتت معالجة أسنانهم في لبنان، أقل تكلفة من معالجتها في بلاد الاغتراب لأنّ التكاليف أقل بكثيرٍ من الخارج. وهذا ما أصبح يعتمد عليه معظم أطبّاء الوطن، لا سيّما للأمور التجميليّة كالتبييض والهوليوود سمايل وإلى ما هنالك. لذلك، وفي ظل كل هذه الأزمات التي نحن فيها، لا يخلو الأمر من أنّ قطاع طبّ الأسنان يحقق أرباحًا لافتةً وتحديدًا في مجال تجميلها.
لم يكن في بال باتريسيا معالجة سنّها لدى طبيب الأسنان لأنّ الموضوع لم يعد سهلًا أبدًا مع أزمة الدولار هذه، لأنّ همومها الماديّة كانت تصبّها في مكانٍ آخر كالمأكل والمشرب والملبس والبنزين وما يترتّب على السّيارة من تكاليفٍ أخرى. وتقول: علاج الأسنان بات مستحيلًا لأنّ راتبي للأسف لا يتعدّى الـ 8 ملايين ل. ل. أما السّن الواحدة فعليّ رصّها وتلبيسها وكل هذه الامور باتت تُحتسب بالدّولار. وأيضًا، لديّ السّوس في ضروس العقل وأخاف حتّى من تتنظيفها لأنّني أعلم أنّ الموضوع بات مكلفًا. وكلما أتذكّر هذه التكاليف والمدفوعات، أقوم بتأجيل زيارة الطّبيب إلى أن وقعت سنّي اثناء تناولي الطّعام، فاضطررتُ حينئذ الى الذّهاب والاستدانة من صديقي ليتكفّل بكل هذه الأمور.
وتتابع: الألم “بيتأجل” ولكن الدّيون التي أراكمها على صديقي إلى متى ستتأجّل؟ وهل ما زال بمقدوري أن أعيد له حقّه؟”
الموضوع لا يقتصر فقط على باتريسيا، إنّما أيضًا على موظّفي القطاع العام ومن يتقاضى راتبه بالعملة الوطنيّة، تحديدًا لمن يعمل “باليوميّة” كالمزارع وسائق التّاكسي وغيرهما.
زيارة طبيب الأسنان هي مغامرة للبعض..
لا شكّ أنّ زيارة عيادة الأسنان بالنسبة للكثير من اللبنانيين باتت مغامرة اليوم، غير محسوبة النتائج لما ستكلفهم من مبالغ مالية تفوق راتبهم الشهري في معظم الأحيان، حتى أصبحت لمن استطاع إليها سبيلا، ما أرغمهم على تحمل الوجع بصمت، تمامًا كما يحصل مع أحمد، ابن الثلاثين عامًا الذي يداوي نفسه بنفسه.
ويقول للدّيار: يرافقني الألم منذ شهرين ولا قدرة لي على إصلاحه، لذلك أعتمد على العلاجات المؤقتة لتسكين الألم، مستخدمًا فوطة مبللة بالكحول (العرق) ليتخدّر قليلًا مكان الضرس، وأستخدم ماء القرنفل المغلي وغيره من الأعشاب ودواء البانادول، إلى أن التهبت اللّثة واضطررتُ لاحقًا إلى خلع ضرسي.
وتابع: بعد رحلةٍ من الوجع، قمتُ بزيارة طبيب أسنانٍ في مستوصفٍ متواضعٍ في البقاع، حيث كانت التّكاليف أقلّ بكثيرٍ من عيادة خاصّة وعالجتُ وجعي بعد فترةٍ طويلةٍ والحمد لله. وعلمتُ أنّ حتى المستوصفات أكانت الصغيرة أو الكبيرة، تكاليفها وأسعارها تختلف من منطقةٍ إلى أخرى، والاطباء أيضًا تختلف أسماؤهم.
وفي حديثه للدّيار، يؤكّد الجرّاح في طب الأسنان، الطبيب جوزف الياس الخوري أنّ الأزمة الاقتصاديّة شملت طبيب الأسنان تمامًا كما شملت المريض، لأنّه وفي نهاية المطاف وكأيّ مهنةٍ أخرى، عندما كانت التّكاليف بالدّولار، كانت أوفر بكثيرٍ من أيامنا هذه. أمّا الآن فاضطررنا أن نخفض من قيمة كل التكاليف على الرغم من أنّ المواد لا تزال أسعارها كالسابق، بالدولار الفريش، وهي غير مدعومة.
للأسف، تم دعم البنج لفترةٍ قصيرةٍ فقط، لكنّ الآن كل موادنا مكلفة ويتم دفعها بالفريش دولار. هذا ما أوصلنا إلى ربح أقلّ واستقبال عدد مرضى أقلّ. لذلك المردود بات أقل قيمة من السابق على طبيب الأسنان والأسعار “بالملايين وطلوع”. ضف إلى ذلك المشاكل والتكاليف الاضافيّة التي ترتبت علينا أكان من ناحية الارتفاع في تكاليف فواتير الكهرباء والتقنين، وهذا ما لاحظناه في الفترة الأخيرة أنّ معظم الأطباء أمّنوا لعياداتهم الخاصة موتورات خاصّة أو قاموا بتركيب الطاقات الشمسية.
وتابع د. الخوري: كل الأسعار تمت دولترها في الفترة الاخيرة، بسبب الوضع الاقتصادي الصعب والتلاعب يوميًا في سعر الصّرف لا سيّما في مهنتنا لأنّ العمل في الضرس الواحد قد يأخذ أسبوعا وأسبوعين وأكثر من والوقت والجهد، وفي هذا الوقت سعر التلبيس طبعًا سيتلاعب به وسيرتفع. لهذا يضطر المواطن أن يدّخر 50 دولارا شهريًا من راتبه، ليتكفل بصحة أسنانه وذلك طبعًا بالتقسيط.
وعن سؤال كيف يعيش طبيب الأسنان في ظل هذه الأزمة الحادّة أجاب: نعتمد على الحالات الطّارئة والتي هي غالبًا ما تكون في عياداتنا. وأيضًا نتكل على مواسم الاعياد وفصل الصّيف، لنتعامل مع المغتربين وكل من يتقاضى بالفريش دولار.



