أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

تهميش التعليم الرسمي وإنعاش “الدكاكين”! (النهار 15 كانون الأول)

كتب إبراهيم حيدر في” النهار”:

يُسأل القيّمون على القطاع التربوي عن المغزى من إقرار قانون الهويّة التربوية في بلد ينهار. وهو في الأساس عاجز، تحوّل التعليم الرسمي فيه إلى مكان للتنفيعات وأصبح الحلقة الأضعف في بنيان التعليم اللبناني. إقرار القانون في مجلس النواب لا يعني أن لبنان يواكب التطورات الجديدة في التربية، وهو ليس من الأولويات في ضوء الأزمات المتتالية التي تعصف بالقطاع، بل إنه يؤمّن مصالح فئات معيّنة في التربية محسوبة على القطاع الخاصّ، فيما المدرسة الرسمية لا تنال شيئاً من الدعم لا بل إنها تتأثر سلباً وهي التي تعاني من الإهمال وغياب الرعاية وقلة الإمكانيات وانعدام الرؤية لانتشالها من أزماتها.

يبرر نوّاب إقرار القانون مع الرقم المرمّز لكل تلميذ، بأنّه يمنع التزوير أو بيع الشهادات أو تسجيل المدارس لتلامذة وهميين، لكن في الواقع لا قيمة لتزوير شهادات في المرحلة ما قبل الجامعية، فهي لا تُصرف في أيّ مكان، وتختلف عن التعليم العالي تحديداً. المستفيد من القانون هو المدرسة الخاصّة بما فيها المدارس الإفرادية وبعض الدكاكين، فهي ستستقطب تلامذة من التعليم الرسمي وتضمن دعم الدولة والمساعدات التي تقدّمها للحصول على منح منها. هكذا تؤدي منح الدولة المالية لأولياء الأمور إلى سحب التلامذة من المدرسة الرسمية بعد حصولهم عليها لدى التسجيل في المدرسة الخاصة التي عليها أن تقدّم موازنات شفافة ودقيقة شرطاً لنيل المساعدات.

الكلام عن أن قانون الهوية التربوية يؤمّن العدالة بين التلامذة في المدرستين فيه شيء من المبالغة، إذ إن ذلك لا يتحقق إلا بتعليم رسمي متكافئ مع التعليم الخاص، كي يستطيع أولياء الامور اختيار التعليم المناسب لأولادهم. يستهدف القانون التلميذ الذي لا يستفيد من أي منحة تعليمية من أي جهة ضامنة للقطاع العام، وبالتالي سيختار هؤلاء مدارس خاصة في مناطقهم وأحيائهم، ما يؤدي إلى تفريغ المدرسة الرسمية.

ولا يخفى على أحد أن القانون يؤمن صندوقاً مالياً للمدارس الخاصة يوازي المنح التعليمية التي يتقاضاها الموظفون والمعلمون في القطاع العام عن أولادهم، لتتحول الأموال مباشرة إلى القطاع الخاص.

حيازة الهوية التربوية، تعطي أولياء الأمور إمكان الطلب من الدولة بدل منحة لتسجيل أولادهم في مدرسة خاصة، والدولة ملزمة بتأمينها. وفي ظل الوضع الصعب للتعليم الرسمي سينتقل كثير من التلامذة إلى الخاص بتمويل رسمي، تحت عنوان المساواة.

ليست الهوية التربوية أولوية في بلد تمزقه الصراعات، ويمكن أن تكون لها وظيفة في مرحلة النهوض التربوي. الحل ليس بالهويّة اليوم بل بالتركيز على تجاوز الأزمات وبوضع سياسات تربوية ناجعة وخطط تضع التعليم الرسمي في سلم الأولويات كخيار أول، ثم دعم التعليم الخاص بموازاته. يحدث اليوم الأمر بالمقلوب وتشجع الدولة على إمكان انتقال تلامذة التعليم الرسمي عبر مساعدات ومنح من الدولة إلى الخاص، فيتقدم الخاص على العام وتستفيد معه كل الدكاكين على هامشه.

الهويّة التربوية تُرسي في المرحلة الراهنة نظام اللاعدالة. هي تهشم التعليم الرسمي المكسور وتضعه رهينة بيد الخاص الذي تمثل مدارسه 70% من أعداد المتعلّمين في لبنان. فمن الذي يستفيد من الهويّة؟

بواسطة
إبراهيم حيدر
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى