أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

فما هي افاق الاقتصاد بعد عام من الازمات المتلاحقة … وهل يكفي تشكيل الحكومة لوقف الانهيار؟

كتبت جريدة “الأنباء الإلكتروتية “:

لقد ودع اللبنانيون العام 2020 واستقبلوا العام 2021 على امل ان يكون عاما افضل، فما هي افاق الاقتصاد بعد عام من الازمات المتلاحقة ؟

في بداية العام 2020 شُكلت حكومة من لون واحد حصلت على ثقة برلمانية هزيلة بناءً على بيان وزاري فضفاض، ولكنها لم تحصل على ثقة عربية ودولية وشعبية محلية. طلبت هذه الحكومة فرصة مئة يوم لاعداد خطة اقتصادية واستعانت بجيش من المستشارين بالاضافة الى شركة دولية متخصصة (لازارد) واعدت خطة التعافي الاقتصادي محملةً مسؤولية الانهيار الاقتصادي للسياسات النقدية والمالية السابقة على مدى ثلاثين سنة وعلى رأسها المصرف المركزي والقطاع المصرفي عامةً دون الاخذ بعين الاعتبار مسارات تعطيل السلطة لفترات زمنية طويلة.

في الاسبوع الاول من شهر اذار 2020 اعلن رئيس الحكومة حسان دياب التوقف عن دفع استحقاق اليوروبوندز والبالغ مليار ومئتان مليون $ ولكن من دون ان يكون هذا التوقف منظما او من ضمن خطة اعادة هيكلة للديون مع الاطراف المعنية، وكانت هذه المرة الاولى في تاريخ الجمهورية اللبنانية حيث تتخلف فيها عن دفع استحقاقاتها المالية، ترافق هذا التخلف مع اقفال المطار والمؤسسات كافة بسبب جائحة كورونا ما ادى الى انهيار شديد لسعر صرف العملة الوطنية.

باشرت الحكومة في شهر ايار بالمفاوضات على برنامج للدعم مع صندوق النقد الدولي وشكلت وفدا متعدد الاطراف غير انه لم يكن متفقا على خطة التعافي لجهة حجم وتوزيع الخسائر ما ادى الى فشل هذه المفاوضات وتوقفها في تموز على وقع عدم تبني اللجنة المالية البرلمانية لخطة التعافي الحكومية.

في 4 اب وقع الانفجار الكبير في مرفأ بيروت مع خسائر بشرية كارثية وخسائر مادية كبيرة ادت الى تدمير كامل للمرفأ ولثلث العاصمة وعلى ضوء ذلك استقالت الحكومة.

انتهى العام 2020 على وقع ازمات في القطاعين التربوي والطبي اضيفت الى ازمة القطاع المصرفي ما انعكس سلباً على الميزة التفاضلية للاقتصاد اللبناني.

تترجم ازمات العام المنصرم تراجعاً شديداً في ميزان المدفوعات مع عجز يناهز تسعة مليارات دولار بالرغم من تراجع حجم الاستيراد الى نصف ما كان عليه في العام 2019  اي حوالي عشرة مليارات دولار ولكن دون اي زيادة تذكر في حجم الصادرات ومع تراجع ملحوظ في حجم التحويلات من الخارج بالاضافة الى تراجع القطاع السياحي.

اما بالنسبة للواردات فقد توزعت على المحروقات والادوية والمعدات الطبية والسلع الاستهلاكية الاساسية. تراجعت قيمة العملة الوطنية كثيرا بمقدار 80 % مع نسبة تضخم وصلت الى 138% وارتفاع شديد في اسعار السلع بين 200% و450 % كما انهارت الليرة اللبنانية من 2000 ل.ل. للدولار في بداية العام المنصرم الى حوالي 8500 ل.ل. للدولار.

اما الخسائر بسبب جائحة كورونا فكانت كبيرة اذ يقدر كل يوم اقفال بحوالي مئة مليون $، ناهيك عن الخسائر الناجمة عن انفجار المرفأ والمقدرة بحسب البنك الدولي ب 8,2 مليار $ من الخسائر المباشرة وغير المباشرة. قدر صندوق النقد الدولي ان ينكمش الاقتصاد اللبناني ب حوالي 20 % وسجل الناتج المحلي الاجمالي الاضعف في المنطقة اي اقل من نصف ما كان عليه في العام 2019 وهذا يعني بأن جزءً كبيرا من القطاعات الانتاجية اما اقفل واما يعمل بطاقة انتاجية متدنية. ادى ذلك الى تضاعف حجم البطالة حتى وصل الى اكثر من 42 % و تفاقم حجم الفقر الى 55 % والمدقع منه الى 28 % و ذلك قبل رفع الدعم المتوقع عن السلع الاساسية (المحروقات، الطحين، الادوية) بحيث يتوقع ان تصل نسبة الفقر الى اكثر من 70 % بعد رفع الدعم. المطلوب رفع الدعم سريعا بشكله الحالي لحماية ما تبقى من احتياط بالعملات الاجنبية و استبداله بدعم مختلف موجه بطريقة تفيد العائلات الاكثر حاجة اضافة الى رسم سياسة حماية اجتماعية مستدامة.

كلما طال عمر الازمة كلما اصبحت كلفة الخروج منها اعلى، لذلك لا بد من الاسراع لوقف الانهيار والعمل بشكل جدي للخروج من الازمة وذلك ليس مستحلياً في حال توفرت الارادة الحقيقية مع تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الشخصية والاقليمية والدولية.

يبدأ الحل بالاسراع بتشكيل حكومة رشيقة بعيدة عن المحاصصة، يتمتع وزرائها بسيرة ذاتية مهنية واخلاقية جيدة وتستطيع ان تحصل على ثقة محلية وعربية ودولية. حكومة مع صلاحيات استثنائية تحاكي المبادرة الفرنسية تباشر بالاصلاح في قطاع الكهرباء، وتبدأ مباشرةً التفاوض على برنامج دعم مع صندوق النقد بغية معالجة الشح في الدولار وتعمل على وضع قوانين مرتبطة بادارة السيولة و قانون ادارة المشتريات العامة وقانون المنافسة. كما يجب تطبيق قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص الصادر بتاريخ 7 ايلول 2017 ما يؤدي الى فتح فرص استثمارية ويطور قطاعات الكهرباء والاتصالات والمواصلات والنقل المشترك.

المطلوب حكومة تستطيع البدء بالتدقيق المالي من المصرف المركزي الى كافة المؤسسات والمجالس بعيداً عن الاتهامات المسبقة والمعلبة وهذا يحتاج الى اقرار قانون استقلالية القضاء لكي يعيد الثقة بالمؤسسات بشكل عام وبالقضاء بشكل خاص. يجب على الحكومة ان تعمل ايضا على احتساب الخسائر وتوزيعها بشكل يتناسب مع الامكانيات، لا يرهق ذوي الدخل المحدود ولا يكون على حساب المودعين والقطاع المصرفي حصراً وهذا يحتاج الى اعادة هيكلة القطاع المصرفي لانه القطاع القاطرة للنمو واعادة هيكلته تعيد الثقة بالاقتصاد وبالعملة جزئياً.

لا بد من الاشارة الى ان اعادة هيكلة القطاع المصرفي لا تعني حصراً تخفيض عدد المصارف، بل ايضاً زيادة رسملتها واعادة النظر بمجالس ادارتها وربما هنا يجب العمل على تعديل قانون التجارة للفصل بين رئيس مجلس الادارة و المدير العام لكزيد من الشفافية و المحاسبة. يجب على الحكومة ان تكون قادرة على مخاطبة المجتمع الدولي للمساهمة في اعادة اعمار بيروت وتطبيق مفاعيل مؤتمر سيدر المقرة في نيسان 2018. على الحكومة ايضا ان تكون قادرة على ايقاف التهريب والتهرب الجمركي والضريبي ومفاعيل الاقتصاد الموازي والذي اصبح اكبر من الاقتصاد الرسمي.

المطلوب حكومة تعمل على تحصين وحماية الميزة التفاضلية للاقتصاد اللبناني المتمثلة بالموارد البشرية، وذلك من خلال حماية وتطوير المؤسسات التعليمية والاستشفائية والابداعية و العمل على حماية البيئة لانها ايضاً ميزة تفاضلية.
باختصار، ان المطلوب هو تشكيل حكومة تعمل على تنفيذ الاصلاح وعلى وضع وتطبيق خطة تعافي واعادة اعمار بالتعاون مع المجتمع المحلي والمجتمع الدولي او ما يعرف ب 3RF Reform, Recovery and Reconstructions Framework . حكومة تكون صاحبة القرار النهائي برسم السياسات وتحقيقها، تنأى بنفسها عن صراعات المنطقة وتكون هي السلطة وليست فرعا للدويلة.

المصدر
الأنباء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى