ردّ القوانين من الصلاحيات اللصيقة برئيس الجمهورية حصراً! (النهار ٢٣ شباط)

مجدداً، يعود الاشتباك الى مسألة صلاحيات رئيس الجمهورية، في زمن الفراغ الرئاسي الحاد. هذا الأمر يُفترض أن يكون من مسلّمات أي إدارة جيدة للحكم. لكن في لبنان، انعكست كل القواعد والثوابت، وبتنا في حالة فوضى دستورية – سياسية – تشريعية وتنفيذية.
أمس، كانت مسألة الصلاحيات هذه مادة دسمة خلال جلسة اللجان النيابية المشتركة. ومن داخل أروقة مجلس النواب، تناقش النواب، لا بل تجادلوا حول كرة الصلاحيات. فما الذي جرى داخل اللجان تحديداً؟
لم تكن جلسة اللجان مخصّصة بالأساس لموضوع الصلاحيات، وإنما كان على جدول أعمالها القوانين الثلاثة التي ردّها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، مما فتح المجال واسعاً أمام “الاشتباك” على الصلاحيات.
هكذا، وسريعاً انقسم النواب. الثنائي الشيعي كان مع صلاحية رئيس الحكومة رد القوانين، وبالتالي قبلوا النقاش حولها.
نواب “تكتل الجمهورية القوية” و”تكتل لبنان القوي” والكتائب وعدد من النواب المستقلين رفضوا النقاش في هذه القوانين، لأنهم في الأساس يرفضون مبدأ ردّها من جانب رئيس الحكومة. وانضمّ الى هؤلاء النواب نواب “اللقاء الديموقراطي” أيضاً.
كان رئيس الجلسة نائب رئيس المجلس الياس بو صعب واضحاً أيضاً في موقفه. قالها: “ثمة عيب في الطريقة التي ردّت القوانين الى مجلس النواب”.
وفي المحصّلة، نجحت الأكثرية داخل الجلسة في التصويت على عدم دستورية رد القوانين من الحكومة الى مجلس النواب.
القصة أو الجدلية بدأت منذ 19 كانون الأول 2023، حين عقدت حكومة تصريف الأعمال جلستها ووافقت على إصدار القوانين التي كان مجلس النواب قد أقرها في الجلسة التشريعية الأخيرة، التي مدّد خلالها لقائد الجيش، ثم أقرت سلّة من القوانين.
لكن لاحقاً، عاد ميقاتي منفرداً وطلب التريث في إصدار قوانين ثلاثة من هذه القوانين الـ14، وطلب ردّها الى مجلس النواب، وهذه القوانين تتعلق بتعويضات الأساتذة المتعاقدين وتنظيم الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة وتنظيم الموازنة المدرسية. وبهذا السلوك، اختزل ميقاتي صلاحية رئيس الجمهورية برد القوانين، ثم عاد وعقد اجتماعاً آخر لمجلس الوزراء، تقرر خلاله رد القوانين الثلاثة، وكأنه بذلك غيّر قرار الحكومة الأول.
صلاحيات لصيقة
كل هذه الجدلية كانت محط نقاش النواب داخل اللجان.
على ضفة أولى، برز النواب المعارضون لرد القوانين. هؤلاء انطلقوا من مبدأ دستوري واضح، يقول بأن صلاحيات رئيس الجمهورية تنتقل الى الحكومة مجتمعة، وقالوا إن “الدستور هو نصّ وروح وليس نصاً جامداً ولا يمكن أن يؤخذ مادة مادة فقط بل يؤخذ بروحيته ومضمونه وجوهره. وما حصل يُعتبر مخالفة دستورية جسيمة”.
وتابع هؤلاء شرحهم المستفيض، مؤكدين أن “صلاحيات رئيس الجمهورية التي تتعلق بالعمل الإجرائي والإداري تنتقل حكماً الى مجلس الوزراء مجتمعاً، كي لا تتعطل مرافق الدولة والبلاد. لكن صلاحية رد القانون هي من الصلاحيات اللصيقة برئيس الجمهورية، وبالتالي هي لا تُفوّض ولا تنتقل”.
ولم يتوانَ أحدهم عن القول: “رئيس الحكومة ليس رئيس الجمهورية ونقطة على السطر. لا يجوز أن يتصرف وكأنه رئيس البلاد”.
… وأكثر. ليس من باب الصدفة أو العبث أن يكون رئيس الجمهورية هو الرئيس الوحيد في البلاد الذي يقسم اليمين على الدستور. هو حامي الدستور أولاً ويتمتع بصلاحيات دستورية لصيقة به، لا تُجيّر ولا تنتقل.
كل هذه الثوابت تم تأكيدها أمس خلال الجلسة، على لسان نواب المعارضة.
أما على الضفة المقابلة، فكان نواب كتلتي “الوفاء للمقاومة” و”التنمية والتحرير” يدافعان عن مبدأ الرد، معتبرين أن الحكومة مجتمعة هي من ردّت القوانين، وأن الحكومة مجتمعة تنتقل إليها صلاحيات رئيس الجمهورية.
وهنا، أيضاً جوبه هذا المنطق بالرفض والرد.
كان رد نواب المعارضة واضحاً أيضاً إذ قالوا: “لو سلّمنا جدلاً بأن صلاحية رد القوانين ليست لصيقة برئيس الجمهورية، وبالتالي يمكن انتقالها الى الحكومة مجتمعة، فإن ما حصل في جلسة 19 كانون الأول الفائت شكّل المخالفة بذاتها، لأن الحكومة وافقت أولاً على إصدار القوانين الـ14 ثم عاد ميقاتي منفرداً وطلب التريث، قبل أن يقوم باجتماع آخر لمجلس الوزراء تقرر خلاله رد القوانين، وكأنه بذلك عمد الى تبديل قرار الحكومة”.
المشكلة الأساسية، في نظر نواب المعارضة، هي التريث في نشر القوانين، وهذ ما أكدوه أمام اللجان المشتركة، مطالبين بانتظار قرار شورى الدولة الذي ينظر الآن في مراجعة قُدّمت أمامه حول أحقية ميقاتي أو صلاحيته طلب رد القوانين.
وبناءً على ذلك، نجح نواب المعارضة أمس، في رفض مناقشة رد القوانين، لأنهم بمجرد قبولهم طلب النقاش يكونون قد وافقوا على أن ميقاتي يتمتع بصلاحية رد القوانين أصلاً!
حتى الآن، القوانين الثلاثة لم تُنشر في الجريدة الرسمية… وللبحث صلة، بانتظار قرار شورى الدولة.



