“إيكونوميست” عن المناخ: وداعاً هدف 1,5 درجة!

على بعد ساعات من انطلاق فعاليات مؤتمر الأطراف السابع والعشرين لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ “كوب-27″، حملت مجلّة “إيكونوميست” خبراً سيئاً للناشطين المناخيين ولقسم كبير من صنّاع القرار. ربما ليس هذا الخبر جديداً، لكنّ إعلانه تطلّب الكثير من الجرأة. بدلاً من أمل خياليّ بمستقبل لا ترتفع فيه درجات الحرارة أكثر من 1,5 درجة مئوية بالمقارنة مع الفترة التي سبقت الثورة الصناعية، بات على الحكومات الاستعداد لكوكب أكثر احتراراً مع جميع التداعيات المترتبة على ذلك.
أشارت المجلّة إلى ما قاله وزير خارجيّة جزر مارشال سنة 2015 حين شبّه ارتفاع درجات الحرارة بأكثر من 1,5 درجة مئوية بكون “مذكرة إعدام” للدول الصغيرة والمنخفضة كبلاده. تحققت مفاجأة واسعة النطاق حين قبل الكبار الذين اجتمعوا في باريس تلك السنة بحجته. ضمّنوا اتفاقية باريس للمناخ هدف الحد من الاحترار العالمي عند نحو 1,5 درجة. سعت الاتفاقية إلى تنسيق الجهود الوطنية للحد من انبعاثات غازات الدفيئة. لكن الدول التي وقّعت بورع على اتفاقية باريس لم تحدّ من انبعاثاتها بما يكفي لتلبية أهدافها.
لجرعة من الواقعية
في الواقع، إنّ الانبعاثات الدولية لا تزال تنمو. العالم أصبح أكثر سخونة بـ1,2 درجة مئوية مما كان عليه قبل الثورة الصناعية. بالنظر إلى التأثير الدائم لغازات الدفيئة التي سبق أن تمّ ضخها وإلى استحالة وقف الانبعاثات بين ليلة وضحاها، ما من طريقة لتتمكن الأرض الآن من تفادي ارتفاع درجة الحرارة بأكثر من 1,5 درجات، بحسب “إيكونوميست”. مع ذلك، ترى المجلة أنه لا يزال ثمة أمل بألا يكون التجاوز كبيراً جداً، وقد يكون موقتاً فقط، لكن هذه الاحتمالات المعزّية أقل احتمالية من أي وقت مضى.
تداعيات إخفاق العالم في الحد من الانبعاثات كارثية وليس فقط على الجزر المرجانية في المحيط الهادئ. تنتشر الكوارث المرتبطة بالمناخ من باكستان التي غُمر معظمها خلال هذا الصيف بسبب الأمطار الموسمية غير الاعتيادية وصولاً إلى فلوريدا التي عانت في أيلول من أكثر الأعاصير فتكاً منذ سنة 1935. حتى الاضطرابات الأقل فتكاً للطقس مثل موجة الحر الاستثنائية في أوروبا تفرض ضرراً اقتصادياً هائلاً فتعرقل النقل وتدمر البنية التحتية وتقلص الإنتاجية.
ترى المجلة أن الرد على كل ذلك يجب أن يكون جرعة من الواقعية. ناشطون كثر مترددون في الاعتراف بأنّ 1,5 درجة قضية خاسرة. لكن الفشل في ذلك يطيل الأخطاء التي ارتكبت في باريس حيث تبنت حكومات العالم هدفاً هرقلياً (خارقاً) من دون أي خطة معقولة لبلوغه.
ثلاث حقائق صعبة
يجب أن يتّعظ المندوبون المجتمعون في مصر من الفشل لا أن يركنوا إلى الأمل الكاذب. هم يحتاجون إلى أن يكونوا أكثر براغماتية ويواجهوا بعض الحقائق الصعبة.
أولاً إنّ خفض الانبعاثات سيتطلب الكثير من الأموال الإضافية. بشكل تقريبي، يحتاج الاستثمار الدولي في الطاقة النظيفة إلى أن يتضاعف ثلاث مرات عما هو عليه اليوم (تريليون دولار سنوياً) وأن يتركز في الدول النامية والتي تولد معظم الانبعاثات حالياً. يمكن أن تكون كلفة بناء وإدارة الطاقة الشمسية والهوائية أرخص بكثير، لكن الشبكات تحتاج إلى إعادة بناء للتعامل مع الانقطاع المتكرر للشمس والرياح.
الإقراض الميسر والمساعدات من الدول الثرية أمر جوهري وضرورة أخلاقية. لكن المبالغ المطلوبة أعظم بكثير مما يمكن اعتصاره من المانحين الغربيين بشكل معقول أو المنظمات المتعددة الأطراف كالبنك الدولي.
لذلك، على حكومات الدول النامية، خصوصاً البلدان ذات الدخل المتوسط أن تعمل مع العالم الثري لتحفيز الاستثمار الخاص. من جانب الدول النامية، سيشمل ذلك تحسينات كبيرة لمناخ الاستثمار وقبولاً بأنه سيتعيّن عليها التخلي عن بعض التحكم بسياسات الطاقة. على مستوى المانحين، سيتضمن ذلك تركيز الإنفاق على مخططات “تحشد” رأس المال الخاص مثل تعويض المستثمرين ضد المخاطر السياسية والتنظيمية، والاستحواذ على حصص في مشاريع خاصة والموافقة على امتصاص الشريحة الأولى من الخسائر إذا ساءت الأمور.
الحقيقة الصعبة الثانية بحسب المجلة هي أنه لا يمكن التخلي عن الوقود الأحفوري بين ليلة وضحاها. تسعى أوروبا جاهدة لبناء منشآت استيراد للغاز الطبيعي بعدما فقدت الوصول إلى إمدادات روسية، بالتحديد لأنها لا تستطيع العثور على أي بديل فوري. بالنسبة إلى بعض افقر الدول، إنّ الاستثمارات في الغاز جنباً إلى جنب مع الطاقة المتجددة لا تزال ضرورية: مساعدة المزيد من المواطنين للحصول على الكهرباء ضرورة أخلاقية أيضاً.
الحقيقة الثالثة هي أنّه بسبب عدم تحقق هدف 1,5 درجة مئوية، يجب أن يتم بذل جهود أعظم للتكيف مع التغير المناخي. لم يثق الناشطون بالتكيف لأنهم وجدوا فيه إلهاء عن خفض الانبعاثات، أو أسوأ، عذراً لعدم الإقدام على أي خفض. لكن مهما كان الأمر، يواجه العالم الآن المزيد من الفيضانات وموجات الجفاف والأعاصير وحرائق الغابات. بالنسبة إلى الدول النامية خصوصاً، لكن أيضاً بالنسبة إلى الدول الثرية، إنّ الاستعداد لهذه النكبات هي مسألة حياة وموت.
أمر ممكن
لحسن الحظ، تابعت “إيكونوميست”، إنّ الكثير من التكيّف في المتناول. قد يكون أمراً بسيطاً مثل توفير سلالات أصلب من المحاصيل وتلقي الناس إنذارات بقدوم الأعاصير. هذا مجال يمكن لمساعدة متواضعة من البلدان الثرية ترك تأثير كبير. مع ذلك، هي لا تضخ المال الذي وعدت بتحويله إلى الدول الفقيرة للتكيف. وهذا غير عادل. تسأل المجلة: لماذا على المزارعين الفقراء في أفريقيا الذين لم يقوموا بأي فعل تقريباً للتسبب بالتغير المناخي، أن يُتركوا للمعاناة؟ إذا سمح العالم الثري للاحترار العالمي بتدمير البلدان الضعيفة أصلاً، فسينتهي بها الأمر حتماً بدفع ثمن النقص في الغذاء وتدفق اللاجئين.
يحتاج صناع القرار لدراسة طرق أكثر راديكالية لتبريد الكوكب. إن التقنيات الوليدة لامتصاص ثاني أوكسيد الكربون من الغلاف الجوي بحاجة إلى الكثير من الاهتمام. ينطبق الأمر نفسه على “الهندسة الجيو-شمسية” التي تحجب ضوء الشمس. لا يثق الناشطون المناخيون بالتقنيتين، الأولى باعتبارها وعداً كاذباً والثانية باعتبارها تهديداً مرعباً. بالنسبة إلى الهندسة الجيو-شمسية، يحق للناس أن يقلقوا وفقاً للمجلة. ستكون خطيرة فعلاً ويصعب جداً التحكم بها. لكن هكذا سيكون عالم أكثر حرارة.
على السادة في مصر أن يأخذوا هذا في الحسبان. تجاوز هدف 1,5 درجة مئوية لا يقضي على الكوكب. لكنه حكم بالإعدام على بعض الأشخاص وأنماط عيش ونظم بيئية وحتى بلدان. بحسب “إيكونوميست”، إنّ ترك هذه اللحظة تمر من دون تفكير جاد حول كيفية وضع العالم على مسار أفضل سيكون إشارة إلى المزيد من مذكرات الموت.



